كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

أن الصدق والكذب إنما يتعلق بالخبروهم إستخبروا ولم يخبروا لأنا نقول : هما يتطرقان إلى الإنشاآت بالقصد الثاني ومن حيث ما يلزم مدلولها وإن لم يتطرقا إليها بالقصد الأول ومن حيث منطوقها وجواب إن في مثل هذا الموضع محذوف عند سيبويه وجهمور البصريين يدل عليه السابق وهو هنا أنبئوني وعند الكوفيين وأبي زيد والمبرد أن الجواب هو المتقدم وهذا هو النقل الصحيح عمن ذكر في المسألة ووهم البعض فعكس الأمر ومن زعم أن إن هنا بمعنى إذا الظرفية فلا تحتاج إلى جواب فقد وهم وكأنه لما رأى عصمة الملائكة وظن من الآية ما يخل بها ولم يجد لها محملا مع إبقاء إن على ظاهرها إفتقر إلى ذلك والحمد لله تعالى على ما أغنانا من فضله ولم يحوجنا إلى هذا ولاإلى القول بأن الغرض من الشرطية التوكيد لما نبههم عليه من القصور والعجز فحاصل المعنى حينئذ أخبروني ولا تقربوا إلا حقا كما قال الإمام
قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إستئناف واقع موقع الجواب كأنه قيل : فماذا قالوا إذ ذاك : هل خرجوا عن عهدة ما كلفوه أو لا فقيل : قالوا إلخ وذكر غير واحد أن الجمل المفتتحة بالقول إذا كانت مرتبا بعضها على بعض في المعنى فالأصح أن لا يؤتي فيها بحرف إكتفاء بالترتيب المعنوي وقد جاء في سورة الشعراء من ذلك كثير بل القرآن مملوء منه و سبحان قيل : إنه مصدر وفعله سبح مخففا بمعنى نزه ولا يكاد يستعمل إلا مضافا إما للمفعول أو الفاعل منصوبا بإضمار فعل وجوبا وقوله : سبحانه ثم سبحانا نعوذ به وقبلنا سبح الجودي والجمد شاذ كقوله :
سبحانك اللهم ذا السبحان
ومجيئه منادي مما زعمه الكسائي ولا حجة له وذهب جماعة إلى أنه علم للتسبيح بمعنى التنزيه لا مصدر سبحب معنى قال : سبحان الله لئلا يلزم الدور ولأن مدلول ذلك لفظ ومدلول هذا معنى وأستدل على ذلك بقوله : قد قلت لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر إذ لولا أنه علم لوجب صرفه لأن الألف والنون في غير الصفات إنما تمنع مع العلمية وأجيب بأنسبحان فيه على حذف المضاف إليه أيسبحان الله وهو مراد للعلم به وأبقى المضاف على حاله مراعاة لأغلب أحواله وهو التجرد عن التنوين وقيل : من زائدة والإضافة لما بعدها على التهكم والإستهزاء به ومن الغريب قول بعض : إن معنى سبحانك تنزيه لك بعد تنزيه كما قالوا فيلبيك إجابة بعد إجابة ويلزم على هذا ظاهرا أن يكون مثنى ومفرده سبحا وأن لا يكون منصوبا بل مرفوع وأنه لم تسقط النون للإضافة وإنما ألتزم فتحها وياسبحان الله تعالى لمن يقول ذلك والغرض من هذا الحواب الإعتراف بالعجز عن أمر الخلافة والقصور عن معرفة الأسماء على أبلغ وجه كأنهم قالوا : لا علم لنا إلا ما علمتنا ولم تعلمنا الأسماء فكيف نعلمها وفيه آعار بأن سؤالهم لم يكن إلا إستفسارا إذ لا علم لهم إلا من طريق التعليم ومن جملته علمهم بحكمة الإستخلاف مما تقدمفهو بطريق التعليم أيضا فالسؤال المترتب هو عليه سؤال مستفسر لا معترض وثناء عليه تعالى بما أفاض عليهم مع غاية التواضع ومراعاة الأدب وترك الدعوى ولهذا كله لم يقولوا لا علم لنا بالأسماء مع أنه كان مقتضى الظاهر ذلك ومن زعم عدم العصمة جعل هذا توبة والإنصاف أنه يشبهها ولكن

الصفحة 226