كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

لا عن ذنب مخل بالعصمة بل عن ترك أولى بالنسبة إلى علو شأنهم ورفعة مقامهم إذ اللائق بحالهم على العلات أن يتركوا الإستفسار ويقفوا مترصدين لأن يظهر حقيقة الحال و ما عند الجمهور موصولة حذف عائدها وهي إما في موضع رفع على البدل أو نصب على الإستثناء وحكى إبن عطية عن الزهراوي أنها في موضع نصب ب علمتنا ويتكلف لتوجيهه بأن الإستثناء منقطع ف إلا بمعنى لكن و ما شرطية والجواب محذوف كأنهم نفوا أو لا سائر العلوم ثم أستدركوا أنه في المستقبل أي شيء علمهم علموه ويكون ذلك أبلغ في ترك الدعوى كما لا يخفى إنك أنت العليم الحكيم 23 تذييل يؤكد مضمون الجملة السابقة ولما نفوا العلم عن أنفسهم أثبتوه لله تعالى على أكمل أوصافه وأردفوه بالوصف بالحكمة لما تبين لهم ما تبين واصل الحكمة المنع ومنه حكمة الدابة لأنها تمنعها عن الإعوجاج ويقال للعلم لأنه يمنع عن إرتكاب الباطل ولإتقان الفعل لمنعه عن طرق الفساد والإعتراض وهو المراد ههنا لئلا يلزم التكرار فمعنى الحكيم ذو الحكمة وقيل : المحكم لمبدعاته قال في البحر : وهو على الأول صفة ذات وعلى الثاني صفة فعل والمشهور أنه إن أريد به العليم كان من صفات الذات أو الفاعل لما لا إعتراض عليه كان من صفات الفعل فأفهم وقدم سبحانه الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة لمناسبة ما تقدم من أنبؤني و لا علم لنا ولأن الحكمة لا تبعد عن العلم وليكون آخر مقالتهم مخالفا لما يتوهم من أولها و أنت يحتمل أن يكون فصلا لا محل له على المشهور يفيد تأكيد الحكم والقصر المستفاد من تعريف المسند وقيل : هو تأكيد لتقرير المسند إليه ويسوغ في التابع ما لا يسوغ في المتبوع وقيل : مبتدأ خبره ما بعده و الحكيم إما خبر بعد خبر أو نعت له وحذف متعلقهما لإفادة العموم وقد خصهما بعض فقال : العليم بما أمرت ونهيت الحكيم فيما قضيت وقدرت والعموم أولى
قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم نادى سبحانه آدم بأسمه العلم كما هو عادته جل شأنه مع أنبيائه ما عدا نبينا حيث ناداه ب يا أيها النبي و يا أيها الرسول لعلو مقامه ورفعة شأنه إذ هو الخليفة الأعظم والسر في إيجاد آدم ولم يقل سبحانه أنبئني كما وقع في أمر الملائكة مع حصول المراد معه أيضا وهو ظهور فضل آدم إبانة لما بين الرتبتين من التفاوت وإنباء للملائكة بأن علمه عليه السلام واضح لا يحتاج إلى ما يجري مجرى الإمتحان وأنه حقيق أن يعلم غيره أو لتكون له عليه السلام منة التعليم كاملة حيث أقيم مقام المفيد وأقيموا مقام المستفيدين منه أو لئلا تستولي عليه الهيبة فإن إنباء العالم ليس كإنباء غيره والمراد بالإنباء هنا الإعلام لا مجرد الأخبار كما تقدم
وفيه دليل لمن قال إن علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة ومنع قوم ذلك في الطبقة العليا منهم وحمل عليه وما منا إلا له مقام معلوم وأفهم كلام البعض منع حصول العلم المرقي لهم فلعل ما يحصل علم قال : لا حال والفرق ظاهر لمن له ذوق وقرأ إبن عباس أنبئهم بالهمز وكسر الهاء وأنبيهم بقلب الهمزة ياء وقرأ الحسن أنبهم كأعطهم والمراد بالأسماء ما عجزوا عن علمها وأعترفوا بالقصور عن بلوغ مرتبتها والضمير عائد على المعروضين على ما تقدم فلما أنبأهم بأسمائهم عطف على جملة محذوفة والتقدير فانبأهم بها فلما أنبأهم إلخ وحذفت لفهم المعنى وإظهار الأسماء في موقع الأضمار لأظهار كمال العناية بشأنها مع الإشارة إلى أنه عليه السلام أنبأهم بها على وجه التفصيل دون الأجمال وعلمهم بصدقه من القرائن الموجبة له والأمر أظهر من أن يخفى ولا يبعد إن عرفهم سبحانه الدليل على ذلك وإحتمال أن يكون لكل صنف منهم لغة أو معرفة بشيء ثم حضر جميعهم

الصفحة 227