كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
الجباه بل كان مجرد تذلل وإنقياد فاللام إما باقية على ظاهرها وإما بمعنى إلى مثلها في قول حسان رضي الله عنه : أليس أول من صلى لقبلتكم وأعرف الناس بالقرآن والسنن أو للسببية مثلها في قوله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس وحكمة الأمر بالسجود إظهار الإعتراف بفضله عليه السلام والإعتذار عما قالوا فيه مع الإشارة إلى أن حق الأستاذ على من علمه حق عظيم وغير سبحانه الأسلوب حيث قال أو لا : وإذ قال ربك وهنا وإذ قلنا بضمير العظمة لأن في الأول خلق آدم وإستخلافه فناسب ذكر الربوبية مضافا إلى أحب خلفائه إليه وهنا المقام مقام إيراد أمر يناسب العظمة وأيضا في السجود تعظيم فلما أمر بفعله لغيره أشار إلى كبريائه الغنية عن التعظيم وقرأ أبو جعفر بضم تاء الملائكة إتباعا لضم الجيم وهي لغة أزدشنوأة وهي لغة غريبة عربيةوليست بخطأ كما ظن الفارسي فقد روى أن أمرأة رأت بناتها مع رجل فقالت أفي السوأت نتنه تريد أفي السوأة أنتنه
فسجدوا إلا إبليس الفاء لإفادة مسارعتهم في الإمتثال وعدم تثبطهم فيه و إبليس أسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة ووزنه فعليل قاله الزجاج وقال أبو عبيدة وغيره : إنه عربي مشتق من الإبلاس وهو الأبعاد من الخير أو اليأس من رحمة الله تعالى ووزنه على هذا مفعيل ومنعه من الصرف حينئذ لكونه لا نظير له في الاسماء وأعترض بأن ذلك لم يعد من موانع الصرف مع أن له نظائر كأحليل وإكليل وفيه نظر وقيل : لأنه شبيه بالأسماء الأعجمية إذ لم يسم به أحد من العرب وليس بشيء وأختلف الناس فيه هل هو من الملائكة أم من الجن فذهب إلى الثاني جماعة مستدلين بقوله تعالى : إلا إبليس كان من الجن وبأن الملائكة لا يستكبرون وهو قد أستكبر وبأن الملائكة كما روى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها خلقوا من النور وخلق الجن من مارج من نار وهو قد خلق مما خلق الجن كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عنه : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين وعد تركه السجود إباءا وإستكبارا حينئذ إما لأنه كان ناشئا بين الملائكة مغمورا بالألوف منهم فغلبوا عليه وتناوله الأمر ولم يمتثل أو لأن الجن أيضا كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه أستغنى بذكرهم لمريد شرفهم عن ذكر الجن أو لأنه عليه اللعنة كان مأمورا صريحا لا ضمنا كما يشير إليه ظاهر قوله تعالى : إذ أمرتك وضمير فسجدوا راجع للمأمورين بالسجود وذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين إلى الأول مستدلين بظاهر الإستثناء وتصحيحه بما ذكر تكلف لأنه وإن كان واحدا منهم لكن كان رئيسهم ورأسهمكما نطقت به الآثار فلم يكن مغمورا بينهم ولأن صرف الضمير إلى مطلق المامورين مع أنه في غاية البعد لم يثبت إذ لم ينقل أن الجن سجدوا لآدم سوى إبليس وكونه مأمورا صريحا الآية غير صريحة فيهودون إثباته خرط القتاد وإقتضاء ما ذكر من الآية كونه من جنس الجن ممنوع لجواز أن يراد كونه منهم فعلا وقوله تعالى ففسق كالبيان له ويجوز أيضا أن يكون كان بمعنى صار كما روى أنه مسخ بسبب هذه المعصية فصار جنيا كما مسخ اليهود فصاروا قردة وخنازير سلمنا لكن لا منافاة بين كونه جنا وكونه ملكا فإن الجنكما يطلق على ما يقابل الملك يقال على نوع منه على ما روى عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما وكانوا خزنة الجنة أو صاغة حليهم وقيل : صنف من الملائكة لا تراهم الملائكة مثلنا أو أنه يقال للملائكة جن أيضاكما قاله إبن إسحاق لإجتنابهم وأستتارهم عن أعين الناس ولذلك