كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
فسر بعضهم قوله تعالى : وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا وورد مثله في كلام العرب فقد قال الأعشى في سيدنا سليمان عليه السلام : وسخر من جن الملائك تسعة قياما لديه يعملون بلا أجر وكون الملائكة لا يستكبرون وهو قد أستكبر لا يضر إما لأن من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان الغالب فيهم العصمة على العكس منا وفي عقيدة أبي المعين النسفي ما يؤيد ذلك وإما لأن إبليس سلبه الله تعالى الصفات الملكية وألبسه ثياب الصفات الشيطانية فعصى عند ذلك والملك ما دام ملكا لا يعصي
ومن ذا الذي يامي لا يتغير
وكونه مخلوقا من نار وهم مخلوقون من نور غير ضار أيضا ولا قادح في ملكيته لأن النار والنور متحدا المادة بالجنس وإختلافهما بالعوارض على أن ما في أثر عائشة رضي الله تعالى عنها من خلق الملائكة من النور جاز مجرى الغالب وإلا خالفه كثير من ظواهر الآثار إذ فيها أن الله تعالى خلق ملائكة من نار وملائكة من ثلج وملائكة من هذا وهذه وورد أن تحت العرش نهرا إذا أغتسل فيه جبريل عليه السلام وأنتفض يخلق من كل قطرة منه ملك وأفهم كلام البعض أنه يحتمل أن ضربا من الملائكة لا يخالف الشياطين بالذات وإنما يخالفهم بالعوارض والصفات كالبررة والفسقة من الإنس والجن يشملهما وكان إبليس من هذا الصنف فعده ما شئت منملك وجن وشيطان وبذلك يحصل الجمع بين الأقوال والله تعالى أعلم بحقيقة الحال
ثم المشهور أن الإستثناء متصل إن كان من الملائكة ومنقطع إن لم يكن منهم وقد علمت تكلفهم لإتصاله مع قولهم بالثاني وقد شاع عند النحاة والأصوليين أن المنقطع هو المستثنى من غير جنسه والمتصل هو المستثنى من جنسه قال الفرافي في العقد المنظوم : وهو غلط فيهما فإن قوله تعالى : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ولا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ الإستثناء فيه منقطع مع أن المستثنى من جنس ما قبله فيبطل الحدان والحق أن المتصل ما حكم فيه على جنس ما حكمت عليه أولا بنقيض ما حكمت بهولا بد من هذين القيدين فمتى أنخرم أحدهما فهو منقطع بأن كان غير الجنس سواء حكم عليه بنقيضه أولا نحو رأيت القوم إلا فرسا فالمنقطع نوعان والمتصل نوع واحد ويكون المنقطع كنقيض المتصل فإن نقيض المركب بعدم أجزائه فقوله تعالى : لا يذوقون إلخ منقطع بسبب الحكم بغير النقيض لأن نقيضه ذاقوه فيها وليس كذلك وكذلك إلا أن تكون تجارة لأنها لا تؤكل بالباطل بل بحق وكذلك إلا خطأ لأنه ليس له القتل مطلقا وإلا لكان مباحا فتنوع المنقطع حينئذ إلى ثلاثة الحكم على الجنس بغير النقيض والحكم على غيره به أو بغيره والمتصل نوع واحد فهذا هو الضابط وقيل : العبرة بالإتصال والإنفصال الدخول في الحكم وعدمه لا في حقيقة اللفظ وعدمه فتأمل ترشد
وأفهم كلام القوم نفعنا الله تعالى بهم أن جميع المخلوقات علويها وسفليها سعيدها وشقيها مخلوق من الحقيقة المحمدية صلى الله تعالى عليه وسلم كما يشير إليه قول النابلسي قدس سره دافعا ما يرد على الظاهر : طه النبي تكونت من نوره كل الخليقة ثم لو ترك القطا وفي الآثار ما يؤيد ذلك إلا أن الملائكة العلويين خلقوا منه عليه الصلاة و السلام من حيث الجمال وإبليس من حيث الجلال ويؤل هذا بالآخرة إلى أن إبليس مظهر جلال الله سبحانه وتعالى ولهذا كان منه ما كان ولم يجزع ولم يندم ولم يطلب المغفرة لعلمه أن الله تعالى يفعل ما يريده وأن ما يريده سبحانه هو الذي