كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

نقتضيه الحقائق فلا سبيل إلى تغييرها وتبديلها وأستشعر ذلك من ندائه بإبليسولم يكن أسمه من قبلبل كان أسمه عزازيل أو الحرث وكنيته أبا مرة ووراء ذلك ما لم يمكن كشفه والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل وفي قوله تعالى : أبى وأستكبر وكان من الكافرين 43 نوع إشارة إلى بعض ما ذكر والجملة إستئناف جواب لمن قال ما فعل وقيل : إن الفعلين الأولين في موضع نصب على الحال أي آبيا مستكبرا وكان من الكافرين مستأنف أو في موضع الحال وقيل : الجمل الثلاث تذييل بعد تذييل والاباء الإمتناع مع الألفة والتمكن من الفعل ولهذا كان قول كأبي زيد الظلم أبلغ من لم يظلم ولإفادة الفعل النفي صح بعده الإستثناء المفرغ ك يأبى الله إلا أن يتم نوره وقوله : أبى الله إلا عدله ووفاءه فلا النكر معروف ولا العرف ضائع والفعل منه أبى بالفتح وعليه لا يكون يأبى قياسيا وقد سمع أبي كرضى فالمضارع حينئذ قياسي والمفعول هنا محذوف أي السجود والإستكبارالتكبر وهو مما جاء فيه أستفعل بمعنى تفعل وقيل : التكبر أن يرى الشخص نفسه أكبر من غيره وهو مذموم وإن كان أكبر في الواقع والإستكبار طلب ذلك بالتشبع وقدم الأباء عليه وإن كان متأخرا عنه في الرتبة لأنه من الأحوال الظاهرة بخلاف الإستكبار فإنه نفساني أو لأن المقصود الأخبار عنه بأنه خالف حاله حال الملائكة فناسب أن يبدأ أولا بتأكيد ما حكم به عليه في الإستثناء أو بإنشاء الأخبار عنه بالمخالفة فبدأ بذلك على أبلغ وجه وكان على بابها والمعنى كان في علم الله تعالى من الكافرين أو كان من القوم الكافرين الذين كانوا في الأرض قبل خلق آدم وقيل : بمعنى صار وهو مما أثبته بعض النحاة قال إبن فورك : وترده الاصول ولأنه كان الظاهر حينئذ فكان بالفاء ثم أن كفره ليس لترك الواجب كما زعم الخوارج متمسكين بهذه الآية لأنه لا يوجب ذلك في ملتنا على ما دلت عليه القواطع وإيجابه قبل ذلك غير مقطوع به بل بإستقباحه أمر الله تعالى بالسجود لمن يعتقد أنه خير منه وأفضلكما يدل عليه الأباء والإستكبار وقال أبو العالية : معنى من الكافرين من العاصين ثم الظاهر أن كفره كان عن جهل بأن أسترد سبحانه منه ما أعاره من العلم الذي كان مرتديا به حين كان طاوس الملائكة وأظافير القضاء إذا حكت أدمت وقسى القدر إذا رمت أصمت وكان سراج الوصل أزهر بيننا فهبت به ريح من البين فأنطفى وقيل : عن عناد حمله عليه حب الرياسة والأعجاب بما أوتي من النفاسة ولم يدر المسكين إنه لو أمتثل أرتفع قدره وسما بين الملأ الأسمى فخره ولكن إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه إجتهاده وكم أدقت هذه القصة جفونا وأراقت من العيون عيونا فإن إبليس كان مدة في دلال طاعته يختال في رداء مرافقته ثم صار إلى ما ترى وجرى ما به القلم جرى وكنا وليلى في صعود من الهوى فلما توافينا ثبت وزلت ومن هنا قال الشافعية والأشعرية وبقولهم أقولفي هذه المسألة : إن العبرة بالإيمان الذي يوافي العبد عليه ويأتي متصفا به في آخر حياته وأول منازل آخرته ولذا يصح أنا مؤمن إن شاء الله تعالى بالشك ولكن ليس في الإيمان الناجز بل في الإيمان الحقيقي المعتبر عند الموت وختم الأعمال وقد صح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهكما أورده الزرقاني إن من تمام إيمان العبد أن يستثنى إذ عواقب المؤمنين مغيبة عندهم وهو القاهر فوق

الصفحة 231