كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

التغليب مجازا ومعنى السكون والأمر موجودا فيهما حقيقة خفى الأمر فأما أن يلتزم أن التغليب قد يكون مجازا غير لغوي بأن يكون التجوز في الإسناد أو يقال إنه لغوي لأن صيغة الأمر هنا للمخاطب وقد أستعملت في الأعم وللتخلص عن ذلك قيل : إنه معطوف بتقدير فليسكن وفيه أنه حينئذ يكون من عطف الجملة على الجملة فلا وجه للتأكيد والأمر يحتمل أن يكون للإباحة كأصطادوا وأن يكون للوجوب كما أن النهي فيما بعد للتحريم وإيثاره علىأسكنا للتنبيه على أنه عليه السلام المقصد بالحكم في جميع الأوامر وهي تبع له كما أنها في الخلقة كذلك ولهذا قال بعض المحققين : لا يصح إيراد زوجك بدون العطف بأن يكون منصوبا على أنه مفعول معه والجنة في المشهور دار الثواب للمؤمنين يوم القيامة لأنها المتبادرة عند الطلاق ولسبق ذكرها في السورة وفي ظواهر الآثار ما يدل عليه ومنها ما في الصحيح من محاجة آدم وموسى عليهما السلام فهي إذن في السماء حيث شاء الله تعالى منها وذهب المعتزلة وأبو مسلم الأصفهاني وأناس إلى أنها جنة أخرى خلقها الله تعالى إمتحانا لآدم عليه السلام وكانت بستانا في الأرض بين فارس وكرمان وقيل : بأرض عدن وقيل : بفلسطين كورة بالشام ولم تكن الجنة المعروفة وحملوا الهبوط على الإنتقال من بقعة إلى بقعة كما في أهبطوا مصرا أو على ظاهره ويجوز أن تكون في مكان مرتفع قالوا : لأنه لا نزاع في أنه تعالى خلق آدم في الأرض ولم يذكر في القصة أنه نقله إلى السماء ولو كان نقله إليها لكان أولى بالذكر ولأنه سبحانه قال في شأن تلك الجنة وأهلها لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما و لا لغو فيها ولا تأثيم وما هم منها بمخرجين وقد بلغا إبليس فيها وكذب وأخرج منها آدم وحواء مع إدخالهما فيها على وجه السكنى لا كإدخال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة المعراج ولأن جنة الخلد دار للنعيم وراحة وليست بدار تكليف وقد كلف آدم أن لا يأكل من الشجرة ولأن إبليس كان من الكافرين وقد دخلها للوسوسة ولو كانت دار الخلد ما دخلها ولا كاد لأن الأكابر صرحوا بأنه لو جيء بالكافر إلى باب الجنة لتمزق ولم يدخلها لأنه ظلمة وهي نور ودخوله مستترافي الجنة على ما فيه لا يفيد ولأنها محل تطهير فكيف يحسن أن يقع فيها العصيان والمخالفة ويحل بها غير المطهرين ولأن أول حمل حواء كان في الجنة على ما في بعض الآثار ولم يرد أن ذلك الطعام اللطيف يتولد منه نطفة هدا الجسد الكثيف وإلتزام الجواب عن ذلك كله لا يخلو عن تكلف وإلتزام ما لا يلزموما في حيز المحاجة يمكن حمله على هذه الجنة وكون حملها على ما ذكر يجري مجرى الملاعبة بالدين والمراغمة لإجماع المسلمين غير مسلم وقيل : كانت في السماء وليست دار الثواب بل هي جنة الخلد وقيل : كانت غيرهما ويرد ذلك أنه لم يصح أن في السماء بساتين غير بساتين الجنة المعروفة وإحتمال أنها خلقت إذ ذاك ثم أضمحلت مما لا يقدم عليه منصف وقيل : الكل ممكن والله تعالى على ما يشاء قدير والأدلة متعارضة فالأحوط والأسلم هو الكف عن تعيينها والقطع به وإليه مال صاحب التأويلات والذي ذهب إليه بعض ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم أنها في الأرض عند جبل الياقوت تحت خط الإستواء ويسمونها جنة البرزخ وهي الآن موجودة وإن العارفين يدخلونها اليوم بأرواحهم لا بأجسامهم ولو قالوا : إنها جنة المأوى ظهرت حيث شاء الله تعالى وكيف شاء كماظ هرت لنبينا على ما ورد في الصحيح في عرض حائط المسجد لم يبعد على مشربهم ولو أن قائلا قال بهذا لقلت به لكن للتفرد في مثل هذه المطالب آفات وكما أختلف في ذه الجنة أختلف في وقت خلق زوجه عليه السلام فذكر السدي عن إبن سعود وإبن عباس وناس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن الله تعالى لماأخرج إبليس من الجنة وأسكنها آدم بقى فيها وحده وما كان معه من يستأنس به فألإقى الله تعالى عليه النوم ثم أخذ ضلعا من جانبه الأيسر ووضع مكانه لحما وخلق حواء منه فلما أستيقظ وجدها

الصفحة 233