كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

عند رأسه قاعدة فسألها من أنت قالت إمرأة قال ولم خلقت قالت : لتسكن إلي فقالت الملائكة تجربة لعلمه : من هذه قال : إمرأة قالوا : لم سميت أمرأة قال : لأنها خلقت من المراء فقالوا : ما أسمها قال : حواء قالوا : لم سميت حواء قال : لأنها خلقت من شيء حي وقال كثيرون ولعلي أقول بقولهم إنها خلقت قبل الدخول ودخلا معا وظاهر الآية الكريمة يشير إليه وإلا توجه الأمر إلى معدوم وإن كان في علمه تعالى موجودا وأيضا في تقديم زوجك على الجنة نوع إشارة إليه وفي المثل الرفيق قبل الطريق وأيضا هي مسكن القلب والجنة مسكن البدن ومن الحكمة تقديم الأول على الثاني وأثر السدي على ما فيه مما لا يخفى عليكم عارض بما روى عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : بعث الله جندا من الملائكة فحملوا آدم وحواء على سرير من ذهب كما تحمل الملوك ولباسهما النور حتى أدخلوهما الجنة فإنه كما ترى يدل على خلقها قبل دخول الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما الضمير المجرور للجنة على حذف مضاف أي من مطاعمها من ثمار وغيرها فلم يحظر عليهما شيئا إلا ما سيأتي وأصل كلا أأكلا بهمزتين الأولى للوصل والثانية فاء الكلمة فحذفت الثانية لإجتماع المثلين حذف شذوذ وأتبعت بالأولى لفوات الغرض وقيل : حذفا معا لكثرة الإستعمال والرغد بفتح الغين وقرأ النخعي بسكونها الهنيء الذي لا عناء فيه أو الواسع يقال : رغد عيش القوم ورغد بكسر الغين وضمها كانوا في رزق واسع كثير وأرغد القوم أخصبوا وصاروا في رغد من العيش ونصبه على أنه نعت لمصدر محذوف أي أكلا رغدا وقال إبن كيسان : إنه حال بتأويل راغدتين مرفهين و حيث ظرف مكان مبهم لازم للظرفية وإعرابها لغة بني فقعس ولا تكون ظرف زمان خلافا للأخفش ولا يجزم بها دون ما خلافا للفراء ولا تضاف للمفرد خلافا للكسائي ولا يقال : زيد حيث عمر وخلافا للكوفيين ويعتقب على آخرها الحركات الثلاث مع الياء والواو والألف ويقال : حايث على قلة وهي هنا متعلقة بكلا والمراد بها العموم لقرينة المقام وعدم المرجح أي اي مكان من الجنة شئتما وأباح لهما الأكل كذلك إزاحة للعذر في التناول مما حظر ولم تجعل متعلقة ب أسكن لأن عموم الأمكنة مستفاد من جعل الجنة مفعولا به له مع أن التكريم في الأكل من كل ما يريد منها لا في عدم تعيين السكنى ولأن قوله تعالى في آية أخرى : وكلا من حيث شئتما يستدعي ما ذكرنا وكذا قوله سبحانه : ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين 53 ظاهر هذا النهي التحريم والمنهي عنه الأكل من الشجرة إلا أنه سبحانه نهى عن قربانها مبالغة ولهذا جعل جل شأنه العصيان المرتب على الأكل مرتبا عليه وعدل عن فتأثما إلى التعبير بالظلم الذي يطلق على الكبائر ولم يكتف بأن يقول : ظالمين بل قال : من الظالمين بناء على ماذكروا أن قولك : زيد من العالمين أبلغ من زيد عالم لجعله غريقا في العلم أبا عن جد وإن قلنا بأن تكونا دالة على الدوام إزدادت المبالغة ومن الناس من قال : لا تقرب بفتح الراءنهى عن التلبس بالشيء وبضمها بمعنى لا تدن منه وقال الجوهري : قرب بالضم يقرب قربانا وقربته بالكسر قربانا دنوت منه والتاء في الشجرة للوحدة الشخصية وهو اللائق بمقام الإزاحة وجاز أن يراد النوع وعلى التقديري نال لام للجنس كما في الكشف ووقع خلاف في هذه الشجرة فقيل الحنطة وقيل : النخلة وقيل : شجرة الكافور ونسب إلى علي كرم الله تعالى وجهه وقيل : التين وقيل : الحنظل وقيل : شجرة المحبة وقيل : شجرة الطبيعة والهوى وقيل وقيل والأولى عدم القطع والتعيين كما أن الله تعالى لم يعينها

الصفحة 234