كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
باسمها في الآية ولا أرى ثمرة في تعيين هذه الشجرة ويقال : فيها شجرة بكسر الشين وشيرة بإبدال الجيم ياء مفتوحة مع فتح الشين وكسرها وبكل قرأ بعض وعن أبي عمرو أنه كره شيرة قائلا : إن برابر مكة وسودانها يقرؤن بهاولا يخفى ما فيه والشجر ماله ساق أو كل ما تفرع له أغصان وعيدان أو أعم من ذلك لقوله تعالى : شجرة من يقطين وقوله تعالى : فتكونا إما مجزوم بحذف النون معطوفا على تقربا فيكون منهيا عنه وكان على أصل معناها أو منصوب على أنه جواب للنهي كقوله سبحانه : ولا تطغوا فيه فيحل والنصب بإضمار أن عند البصريين وبالفاء نفسها عند الجرمي وبالخلاف عند الكوفيين وكان حينئذ بمعنى صار وأيا ما كان من تفهم سببية ما تقدم لكونها من الظالمين أي الذين ظلموا أنفسهم بإرتكاب المعصية أو نقصوا حظوظهم بمباشرة ما يخل بالكرامة والنعيم أو تعدوا حدود الله تعالى ولعل القربان المنهي عنه الذي يكون سببا للظلم المخل بالعصمة هو ما لا يكون مصحوبا بعذر كالنسيان هنا مثلا المشار إليه بقوله تعالى : فنسى ولم نجد له عزما فلا يستدعي حمل النهي على التحريم والظلم المقول بالتشكيك على إرتكاب المعصية عدم عصمة آدم عليه السلام بالأكل المقرون بالنسيان وإن ترتب عليه ما ترتب نظرا إلى أن حسنات الأبرار سيآت المقربين وللسيد أن يخاطب عبده بما شاء نعم لو كان ذلك غير مقرون بعذر كان إرتكابه حينئذ مخلا ودون إثبات هذا خرط القتاد فإذا لا دليل في هذه القصة على عدم العصمة ولا حاجة إلى القول إن ما وقع كان قبل النبوة لا بعدها كما يدعيه المعتزلة القائل وبأن ظهوره مع علمه بالأسماء معجزة على نبوته إذ ذاك وصدور الذنب قبلها جائز عند أكثر الأصحاب وهو قول أبي هذيل وأبي علي من المعتزلة ولا إلى حمل النهي على التنزيه والظلم على نقص الحظ مثلا وألتزمه غير واحد وقريء تقربا بكسر التاء وهي لغة الحجازيين وقرأ إبن محيصن هذي بالياء فأزلهما الشيطان عنها أي حملهما على الزلة بسببها وتحقيقه أصدر زلتهما عنها وعن هذه مثلها في قوله تعالى : وما كان إستغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة والضمير على هذا للشجرة وقيل : أزلهما أي أذهبهما ويعضده قراءة حمزة فأزالهما وهما متقاربان في المعنى غير أن أزل يقتضي عثرة مع الزوال والضمير حينئذ للجنة وعوده إلى الشجرة بتجوز أو تقدير مضاف أي محلها أو إلى الطاعة المفهومة من الكلام بعيد وإزلاله عليه اللعنةإياهما عليهما السلام كان بكذبه عليهما ومقاسمته على ما قص الله تعالى في كتابه وفي كيفية توسله إلى ذلك أقوال فقيل : دخل الجنة إبتلاء لآدم وحواء وقيل : قام عند الباب فناداهما وأفسد حالهما وقيل : تمثل بصورة دابة فدخل ولم يعرفه الخزنة وقيل : أرسل بعض أتباعه إليهما وقيل : بينما هما يتفرجان في الجنة إذ راعهما طاوس تجلى لهما على سور الجنة فدنت حواء منه وتبعها آدم فوسوس لهما من وراء الجدار وقيل : توسل بحية تسورت الجنة ومشهور حكاية الحية وهذان الأخيران يشير أولهما عند ساداتنا الصوفية إلى توسله من قبل الشهوة خارج الجنة وثانيهما إلى توسله بالغضب وتسور جدار الجنة عندهم إشارة إلى أن الغضب أقرب إلى الأفق الروحاني والحيز القلبي من الشهوة وقيل : توسله إلى ما توسل إليه إذ ذاك مثل توسله اليوم إلى إذلال من شاء الله تعالى وإضلاله ولا نعرف من ذلك إلا الهواجس والخواطر التي تفضي إلى ما تفضي ولا جزم عند كتير في دخول الشيطان في القلب بل لا يعقلونه ولهذا قالوا : خبر إن الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم محمول على الكناية عن مزيد سلطانه عليهم وإنقيادهم له وكأني بك تختار هذا القول وقال أبو منصور : ليس لنا البحث عن كيفية ذلك ولا نقطع القول بلا دليل وهذا من الإنصاف بمكان وقرأ إبن مسعود