كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

وهو مبتدأ خبره لكم وفيه متعلق بما تعلق به والمتاع البلغة مأخوذ من متع النهار إذا أرتفع ويطلق على الإنتفاع الممتد وقته ولا يختص بالحقير والحين مقدار من الزمان قصيرا أو طويلا والمراد هنا إلى وقت الموت وهو القيامة الصغرى وقيل : إلى يوم القيامة الكبرى وعليه تجعل السكنى في القبر تمتعا في الأرض أو يجعل الخطاب شاملا لإبليس ويراد الكل المجموعي والجار متعلق بمتاع قيل : أو به وبمستقر على التنازع أو بمقدار صفة لمتاع وهذه الجملة كالتي قبلها إستئنافا وحالية
فتلقى آدم من ربه كلمات المراد بتلقي الكلمات إستقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها فهو مستعار من إستقبال الناس بعض الأحبة إذا قدم بعد طول الغيبة لأنهم لا يدعون شيئا من الأكرام إلا فعلوه وإكرام الكلمات الواردة من الحضرة الأخذ والقبول والعمل بها وفي التعبير بالتلقي إيماء إلى أن آدم عليه السلام كان في ذلك الوقت في مقام البعد و من ربه حال من كلمات مقدم عليها وقيل : متعلق ب يتلقي وهي من تلقاه منه بمعنى تلقنه ولولا خلوه عما في الأول من اللطافة لتلقيناه بالقبول وقرأ إبن كثير بنصب آدم ورفع كلمات على معنىأستقبلته فكأنها مكرمة له لكونها سبب العفو عنه وقد يجعل الإستقبال مجازا عن البلوغ بعلاقة السببية والمروى في المشهور عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه الكلمات هي ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا الآية وعن إبن مسعود أنها سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك أسمك وتعالى جدك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فأغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وقيل : رأى مكتوبا على ساق العرش محمد رسول الله فتشفع به وإذا أطلقت الكلمة على عيسى عليه السلام فلتطلق الكلمات على الروح الأعظم والحبيب الأكرم صلى الله تعالى عليه وسلم فما عيسى بل وما موسى بل وما وما إلا بعض من ظهور أنواره وزهرة من رياض أنواره وروى غير ذلك فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم 73 التوبة أصلها الرجوع وإذا اسندت إلى العبد كانتكما في الأحياء عبارة عن مجموع أمور ثلاثة علم وهو معرفة ضرر الذنب وكونه حجابا عن كل محبوب وحال يثمره ذلك العلم وهو تألم القلب بسبب فوات المحبوب ونسميه ندما وعمل يثمره الحال وهو الترك والتدارك والعزم على عدم العود وكثيرا ما تطلق على الندم وحده لكونه لازما للعلم مستلزما للعمل وفي الحديث الندم توبة وطريق تحصيلها تكميل الإيمان بأحوال الآخرة وضرر المعاصي فيها وإذا أسندت إليه سبحانه كانت عبارة عن قبول التوبة والعفو عن الذنب ونحوه أو التوفيق لها والتيسير لأسبابها بما يظهر للتائبين من آياته ويطلعهم عليه من تخويفاته حتى يستشعروا الخوف فيرجعوا إليه وترجع في الآخرة إلى معنى التفضل والعطف ولهذا عديت بعلي وأتى سبحانه بالفاء لأن تلقي الكلمات عين التوبة أو مستلزم لها ولا شك أن القبول مترتب عليه فهي إذا لمجرد السببية وقد يقال : إن التوبة لما دام عليها صح التعقيب بإعتبار آخرها إذ لا فاصل حينئذ وعلى كل تقدير لا ينافي هذا ما روى عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهما بكيا مائتي سنة على ما فاتهما ولم يقل جل شأنه فتاب عليهما لأن النساء تبع يغني عنهن ذكر المتبوع ولذا طوى ذكرهن في كثير من الكتاب والسنة وفي الجملة الأسمية ما يقوي رجاء المذنبين ويجبر كسر قلوب الخاطئين حيث أفتتحها ب أن وأتى بضمير الفصل وعرف المسند وأتى به من صيغ المبالغة إشارة إلى قبوله التوبة كلما تاب العبد ويحتمل أن ذلك لكثرة من يتوب عليهم وجمع بين وصفي كونه توابا وكونه رحيما

الصفحة 237