كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
على نفي أهوال القيامة وخوفها عن المطيعين وأنت تعلم أن فيما اشرنا إليه كناية غنية عن مثله وكذا عما قيل إن نفي الإستيلاء للتعريض بالكفار والإشارة إلى أن الخوف مستول عليهم هذا وقرأ الأعرج هداي بسكون الياء وفيه الجمع بين ساكنين وذلك من إجراء الوصل مجرى الوقف وقرأ الجحدري وغيره هدى بقلب الألف ياء وإدغامها في الياء على لغة هذيل وقرأ الزهري وغيره فلا خوف بالفتح وإبن محيصن بإختلاف عنه بالرفع من غير تنوين وكأنه حذف لنية الإضافة أو لكثرة الإستعمال أو لملاحظة اللام في الأسم على ما في البحر ليحصل التعادل في كون لا دخلت على المعرفة في كلا الجملتين وهو على قراءة الجمهور مبتدأ و عليهم خبره أو أن لا عاملة عمل ليس كما قال إبن عطية والأول أولى
والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون 93 عطف على فمن تبع قسيم له كأنه قال : ومن لم يتبعه وإنما أوثر عليه ما ذكر تعظيما لحال الضلالة وإظهارا لكمال قبحها أو لأن من لم يتبع شامل لمن لم تبلغه الدعوة ولم يكن من المكلفين فعدل عن ذلك لإخراجهم ولأنه شامل للفاسق بناء على أن المراد بالمتابعة المتابعة الكاملة ليترتب عليه عدم الخوف والحزن فلو قال سبحانه ذلك لزم منه خلوده في النار ولما قال ما قال لم يلزم ذلك بل خرج الفاسق من الصنفين ويعلم بالفحوى إن عليه خوفا وحزنا على قدر عدم المتابعة ولو جعل قوله تعالى : ولا خوف عليهم حينئذ لنفى إستمرار الخوف والحزن وأريد بمتابعة الهدى الإيمان به تعالى كان داخلا في فمن تبع هداي إلا أن أولياء كتاب الله تعالى لا يرضون ذلك ولا يقبلون وأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ويراد الموصول بصيغة الجمع للإشارة إلى كثرة الكفرة والمتبادر من الكفر الكفر بالله تعالى ويحتمل أن يكون كفروا وكذبوا متوجهين إلى الجار والمجرور فيراد بالكفر بالآيات إنكارها بالقلب وبالتكذيب إنكارها باللسان والآية في الأصل العلامة الظاهرة بالقياس إلى ذي العلامة ومنه آية القرآن لأنها علامة لإنقطاع الكلام الذي بعدها والذي قبلها أو لأنها علامة على معناها وأحكامها وقيل : سميت آية لأن الآية تطلق على الجماعة أيضا كما قال أبو عمرو يقال : خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم وهي جماعة من القرآن وطائفة من الحروف وذكر بعضهم إنها سميت بذلك لأنها عجب يتعجب من إعجازه كما يقال : فلان آية من الآيات وفي أصلها ووزنها أقوال : فمذهب سيبويه والخليل أن اصلها آيبة بفتحات قلبت الياء ألفا لتحركها وإنفتاح ما قبلها على خلاف القياس كغاية وراية إذ المطرد عند إجتماع حرفي علة إعلال الآخر لأنه محل التغيير ومذهب الكسائي أن أصلها آيية كفاعلة وكان القياس أن تدغم كدابة إلا أنه ترك ذلك تخفيفا فحذفوا عينها ومذهب الفراء أن وزنها فعلة بسكون العينمن تأى القوم إذا أجتمعوا وقالوا في الجمع : آياء كأفعال فظهرت الياء والهمزة الأخيرة بدل ياء والألف الثانية بدل من من همزة هي فاء الكلمة ولو كان عينها واوا لقالوا في الجمع : آواء ثم إنهم قلبوا الياء الساكنة ألفا على غير القياس لعدم تحركها وإنفتاح ما قبلها ومذهب الكوفيين أن وزنها آيية كنبقة فأعلت وهو في الشذوذ كالأول وقيل : وزنها فعلة بضم العين وقيل : أصلها أياة فقدمت اللام وأخرت العين وهو ضعيف وكل الأقوال فيها لا تخلو عن شذوذ ولا بدع في آية والمراد بالآيات هنا الكتب المنزلة أو الأنبياء أو القرآن أو الدوال عليه سبحانه من كتبه ومصنوعاته وينزل المعقول منزلة الملفوظ ليتأتى التكذيب وأتى سبحانه بنون العظمة لتربية المهابة وإدخال الروعة وأضاف تعالى الآيات إليها لإظهار كمال قبح التكذيب