كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

وفيه تأمل ولا يخفى أن للوفاء عرضا عريضا فأول المراتب الظاهرة منا الإتيان بكلمتي الشهادة ومنه تعالى حقن الدماء والمال وآخرها منا الفناء حتى عن الفناء ومنه تعالى التحلية بأنوار الصفات والأسماء فما روى من الآثار على إختلاف أسانيدها صحة وضعفا في بيان الوفاء بالعهدين فبالنظر إلى المراتب المتوسطة وهي لعمري كثيرة ولك أن تقول : أول المراتب منا توحيد الأفعال وأوسطها توحيد الصفات
وآخرها توحيد الذات ومنه تعالى ما يفيضه على السالك في كل مرتبة مما تقتضيه تلك المرتبة من المعارف والأخلاق وقرأ الزهري أوف بالتشديد فإن كان موافقا للمجرد فذاك وإن أريد به التكثير والقلب إليه يميل فهو إشارة إلى عظيم كرمه وإحسانه ومزيد إمتنانه حيث أخبر وهو الصادق أنه يعطى الكثير في مقابلة القليل وهو صرح بذلك في قوله سبحانه : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وإنجزام الفعل لوقوعه في جواب الأمر والجزم إما به نفسه أو بشرط مقدر وهو إختيار الفارسي ونص سيبويه
وإياي فأرهبون 04 الرهبة الخوف مطلقا وقيل : مع تحرز وبه فارق الأتقاء لأنه مع حزم ولهذا كان الأول للعامة والثاني للأئمة والأشبه بمواقع الإستعمال أن الأتقاء التحفظ عن المخوف وأن يجعل نفسه في وقاية منه والرهبة نفس الخوف وفي الأمر بها وعيد بالغ وليس ذلك للتهديد والتهويل كما في أعملوا ما شئتم كما وهم لأن هذا مطلوب وذاك غير مطلوب كما لا يخفى وإياي ضمير منفصل منصوب المحل بمحذوف يفسره المذكور والفاء عند بعضهم جزائية زحلقت من الجزاء المحذوف إلى مفسره ليكون دليلا على تقدير الشرط ويحتمل أن تكون مفسرة للفاء الجزائية المحذوفة مع الجزاء ومن أطلق الجزائية عليها فقد توسع ولا يجوز أن تكون عاطفة لئلا يجتمع عاطفان وأختار صاحب المفتاح أنها للعطف على الفعل المحذوف فإن أريد التعقيب الزماني أفادت طلب إستمرار الرهبة في جميع الأزمنة بلا تخلل فاصل وإن أريد الرتبى كان مفادها طلب الترقي من رهبة إلى رهبة أعلى ولا يقدح في ذلك إجتماعها مع واو العطف مثلا لأنها لعطف المحذوف على ما قبله وهذه الفاء لعطف المذكور على المحذوف وكون فأرهبون مفسرا للمحذوف لا يقتضي إتحاده به من جميع الوجوه وأن لا يفيد معنى سوى التفسير حتى لايصح جعلها عاطفة وأستحسن هذا بعض المتأخرين لإشتماله على معنى بديع خلت عنه الجزائية وقال بعضهم كالمتوسط في المسألة : إنها عاطفة بحسب الأصل وبعد الحذف زحلقت وجعلت جزائية وعلى كل تقدير فالآية الكريمة آكد في إفادة التخصيص من إياك نعبد وعد من وجوه التأكيد تقديم الضمير المنفصل وتأخير المتصل والفاء الموجبة معطوفا عليه ومعطوفا أحدهما مظهر والآخر مضمر تقديره إياي أرهبوا فأرهبون وما في ذلك من تكرير الرهبة وما فيه من معنى الشرط بدلالة الفاء والمعنى إن كنتم متصفين بالرهبة فخصوني بالرهبة وحذف متعلق الرهبة للعموم أي أرهبوني في جميع ما تأتون وتذرون وقيل : أرهبون في نقض العهد ولعل التخصيص به مستفاد من ذكر الأمر بالرهبة معه ثم الخوف خوفان خوف العقاب وهو نصيب أهل الظاهر وخوف إجلال وهو نصيب أهل القلوب وما روى عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المعنى أرهبون أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيرهظاهر في قسم أهل الظاهر وهوالمناسب بحال هؤلاء المخاطبين الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون وحذفت ياء الضمير من أرهبون لأنها فاصلة وقرأ إبن ابي إسحاق بالياء على الأصل وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم عطف على ما قبله وظاهره أنه

الصفحة 243