كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

أمر لنبي إسرائيل وقيل : نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه علماء اليهود ورؤسائهم فهو أمر لهم وأفرد سبحاه الإيمان بعد إندراجه في أوفوا بعهدي بمجموع الأمر به والحث عليه المستفاد من قوله تعالى : مصدقا لما معكم للإشارة إلى أنه المقصود والعمدة للوفاء بالعهود و ما موصولة و نزلت صلته والعائد محذوف أي أنزلته ومصدقا حال إما من الموصول أو من ضميره المحذوف واللام في لما مقوية والمراد بما أنزلت القرآن وفي التعبير عنه بذلك تعظيم لشأنه والمراد بما معكم التوراة والتعبير عنها بذلك للإيذان بعلمهم بتصديقه لها فإن المعية مئنة لتكرار المراجعة إليها والوقوف على تضاعيفها المؤدي إلى العلم بكونه مصدقا لها ومعنى تصديقه لها أنه نازل حسبما نعت فيها أو مطابق لها في أصل الدين والملة أو لما لم ينسخ كالقصص والمواعظ وبعض المحرمات كالكذب والزنا والربا أو لجميع ما فيها والمخالفة في بعض جزئيات الأحكام التي هي للأمراض القلبية كالأدوية الطبية للأمراض ابدنية المختلفة بحسب الأزمان والأشخاص ليست بمخالفة في الحقيقة بل هي موافقة لها من حيث أن كلا منها حق في عصره متضمن للحكمة التي يدور عليها فلك التشريع وليس في التوراة ما يدل على أبدية أحكامها المنسوخة حتى يخالفها ما ينسخها بل إن نطقها بصحة القرآن الناسخ لها نطق بنسخها وإنتهاء وقتها الذي شرعت للمصلحة فيه وليس هذا من البداء في شيء كما يتوهمون فإذن المخالفة في تلك الأحكام المنسوخة إنما هو إختلاف العصر حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتقدم ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم وإلى ذلك يشير ما أخرجه الإمام أحمد وغيره عن جابر أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال حين قرأ بين يديه عمر رضي الله تعالى عنه شيئا من التوراة : لو كان موسى حيا لما وسعه إلا إتباعي وفي رواية الدارمي والذي نفس محمد بيده لو بدا لكم موسى فأتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل ولو كان حيا وأدرك نبوتي لأتبعني وتقييد المنزل بكونه مصدقا لما معهم لتأكيد وجوب الإمتثال فإن إيمانهم بما معهم يقتضي الإيمان بما يصدقه قطعا ومن الناس من فسر المنزل بالكتاب والرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وما معهم بالتوراة والإنجيل وليس فيه كثير بعد إلا أن البعيد من وجه جعل مصدقا حالا من الضمير المرفوع والأبعد جعل ما مصدرية ومصدقا حال منما الثانية وأبعد منه جعله حالا من المصدر المقدر
ولا تكونوا أول كافر به أي لا تسارعوا إلى الكفر به فإن وظيفتكم أن تكونوا أول من آمن به لما أنكم تعرفون حقيقة الأمر وحقيته وقد كنتم من قبل تقولون إنا نكون أول من يتبعه فلا تضعوا موضع ما يتوقع فيكم ويجب منكم ما يبعد صدوره عنكم ويحرم عليكم من كونكم أول كافر به و أول في المشهور أفعل لقولهم : هذا أول منك ولا فعل له لأن فاءه وعينه واو وقد دل الإستقراء على إنتفاء الفعل لما هو كذلك وإن وجد فنادر وما في الشافعية من أنه من وول بيان للفعل المقدر وقيل : أصله أو ألمن وأل وأولا إذا لجأتم خفف بإبدال الهمزة واوا ثم الإدغام وهو تخفيف غير قياسي والمناسبة الإشتقاقية أن الأول الحقيقي أعني ذاته تعالى ملجأ للكل وإن قلنا وأل بمعنى تبادر فالمناسبة أن التبادر سبب الأولية وقيل أوأل من آل بمعنى رجع والمناسبة الإشتقاقية على قياس ما ذكر سابقا وإنما لم يجمع على أو أول لإستثقالهم إجتماع الواوين بينهما ألف الجمع وقال الدريدي : هو فوعل فقلبت الواو الأولى همزة وأدغمت ولو فوعل في عين الفعل ويبطه ظاهرا منع الصرف وهو خبر عن ضمير الجمع ولا بد هنا عند الجمهور من تأويل المفضل عليه بجعله مفردا للفظ جمع المعنى أي أول فريق مثلا أو تأويل المفضل أي لا يمكن كل واحد منكم والمراد عموم السلب

الصفحة 244