كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
كما في لا تطع كل حلاف وبعض الناسلا يوجب في مثل هذالمطابقة بين النكرة التي أضيف إليها أفعل التفضيل وما جرى هو عليه بل يجوز الوجهان عنده كما في قوله : وإذا هم طعموا فالأم طاعم وإذا هم جاعوا فشر جياع ومن أوجب أول البيت كالآية ونهيهم عن التقدم في الكفر به مع أن مشركي العرب أقدم منهم لما أن المراد التعريض فأول الكافرين غيرهم أو ولا تكونوا أول كافر من أهل الكتاب والخطاب للموجودين في زمانه صلى الله تعالى عليه وسلم بل للعلماء منهم وقد يقال الضمير راجع إلى ما معكم والمراد منلا تكونوا أول كافر بما مكملا تكونوا أول كافر ممن كفر بما معه ومشركو مكة وإن سبقوهم في الكفر بما يصدق القرآن حيث سبقوا بالكفر به وهو مستلزم لذلك لكن ليسوا ممن كفر بما معه والفرق بين لزوم الكفر وإلتزامه غير بين إلا أنه يخدش هذا الوجه إن هذا واقع في مقابلة آمنوا بما أنزلت فيقتضي إتحاد متعلق الكفر والإيمان وقيل : يقدر في الكلام مثل وقيل : يقدرولا تكونوا أول كافر وآخره وقيل : أول زائدة والكل بعيد ويجعل التعريض على سبيل الكناية يظهر وجه التقييد بالأولية وقيل : إنها مشاكلة لقولهم إنا نكون أول من يتبعه وقد يقال : إنها بمعنى السبق وعدم التخلف فأفهم ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا الإشتراء مجاز عن الإستبدال لإختصاصه بالأعيان إما بإستعمال المقيد في المطلق كالمرسن في الأنف أو تشبيه الإستبدال المذكور في كونه مرغوبا فيه بالإشتراء الحقيقي والكلام على الحذف أي لا تستبدلوا بالإيمان بآياتي والإتباع لها حظوظ الدنيا الفانية القليلة المسترذلة بالنسبة إلى حظوظ الآخرة وما أعد الله تعالى للمؤمنين من النعيم العظيم الأبدي والتعبير عن ذلك بالثمنمع كونه مشتري لا مشتري به للدلالة على كونه كالثمن في الإسترذال والإمتهان ففيه تقريع وتجهيل قوي حيث أنهم قلبوا القضية وجعلوا المقصود آلة والآلة مقصودة وإغراب لطيف حيث جعل المشتري ثمنا بإطلاق الثمن عليه ثم جعل الثمن مشتري بإيقاعه بدلا لما جعله ثمنا بإدخال الباء عليه فإن قيل : الإشتراء بمعنى الإستبدال بالإيمان بالآيات إنما يصح إذا كانوا مؤمنين بها ثم تركوا ذلك للحظوظ الدنيوية وهم بمعزل عن الإيمان أجيب بأن مبنى ذلك على أن الإيمان بالتوراة الذي يزعمونه إيمان بالآيات كما أن الكفر بالآيات كفر بالتوراة فيتحقق الإستبدال ومن الناس من جعل الآيات كناية عن الأوامر والنواهي التي وقفوا عليها في أمر النبي من التوراة والكتب الألهية أو ما علموه من نعته الجليل وخلقه العظيم عليه الصلاة و السلام وقد كانوا يأخذون كل عام شيئا معلوما من زروع أتباعهم وضروعهم ونقودهم فخافوا إن بينوا ذلك لهم وتابعوه أن يفوتهم ذلك فضلوا وأضلوا وقيل : كان ملوكهم يدرون عليهم الأموال ليكتموا ويحرفوا وقيل : غير ذلك وقد أستدل بعض أهل العلم بالآية على منع جواز أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله تعالى والعلم وروى في ذلك ايضا أحاديث لا تصح وقد صح أنهم قالوا : يارسول الله أنأخذ على التعليم أجرا فقال : إن خير ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله تعالى وقد تظافرت أقوال العلماء على جواز ذلك وإن نقل عن بعضهم الكراهة ولا دليل في الآية على ما أدعاه هذا الذاهب كما لا يخفى والمسألة مبينة في الفروع
وإيايي فأتقون 14 بالإيمان وإتباع الحق والإعراض عن الإشتراء بآيات الله تعالى الثمن القليل والعرض الزائل وإنما ذكر في الآية الأولى فأرهبون وهنا فأتقون لأن الرهبة دون التقوى فحيثما خاطب الكافة عالمهم ومقلدهم وحثهم على ذكر النعمة التي يشتركون فيها