كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

ولذا قيل الخشية ملاك الأمر كله وحيثما أراد بالخطاب فيما بعدالعلماء منهم وحثهم على الإيمان ومراعاة الآيات أمرهم بالتقوى التي أولها ترك المحظورات وآخرها التبري مما سوى غاية الغايات وليس وراء عبادان قرية
ولا تلبسوا الحق بالباطل هذا النهي مع ما بعده معطوف على مجموع الآية التي قبله وهي قوله تعالى : وآمنوا إلخ وهذا كما قالوا في قوله تعالى : هو الأول والآخر والظاهر والباطن إن مجموع الوصفين الأخيرين بعد إعتبار التعاطف معطوف على مجموع الأولين كذلك ويجوز العطف على جملة واحدة من الجمل السابقة إلا أن المناسبة على الأول أشد والملاءمة أتم واللبس بفتح اللام الخلط وفعله ليس من باب ضرب ويكون بمعنى الإشتباه إما بالإشتراك أو الحقيقة والمجاز : والباء إما للتعدية أو للإستعانة واللام فيالحق والباطل للعهد أي لا تخلطوا الحق المنزل في التوراة بالباطل الذي أخترعتموه وكتبتموه أو لا تجعلوا ذلك ملتبسا مشتبها غير واضح لا يدركه الناس بسبب الباطل وذكره ولعل الأول أرجح لأنه أظهر وأكثر لا لأن جعل وجود الباطل سببا لإلتباس الحق ليس أولى من العكس لما أنه لما كان المذموم هو إلتباس الحق بالباطل وإن لزمه العكس وكان هذا طارئا على ذلك استحق الأولوية التي نفيت وتكتموا الحق مجزوم بالعطف على تلبسوا فالنهي عن كل واحد من الفعلين وجوزوا أن يكون منصوبا على إضمار أن وهو عند البصريين عطف على مصدر متوهم وروى الجرمي إن النصب بنفس الواو وهي عندهم بمعنى مع وتسمى واو الجمع وواو الصرف لأنها مصروف بها الفعل عن العطف والمراد لا يكن منكم لبس الحق على من سمعه وكتمان الحق وإخفاؤه عمن لم يسمعه والقصد أن ينعى عليهم سوء فعلهم الذي هو الجمع بين أمرين كل منهما مستقل بالقبح ووجوب الإنتهاء وطريق واسع إلى الإضلال والأغواء وحيث كان التلبيس بالنسبة إلى من سمع والكتمان إلى من لم يسمع أندفع السؤال بأن النهي عن الجمع بين شيئين إنما يتحقق إذا أمكن أفتراقهما في الجملة وليسلبس الحق بالباطل مع كتمان الحق كذلك ضرورة أن لبس الحق بالباطل كتمان له وكرر الحق إما لأن المراد بالأخير ليس عني الأول بل هو نعت النبي خاصة وإما لزيادة تقبيح المنهي عنه إذ في التصريح بأسم الحق ما ليس في ضميره وقرأ إبن مسعود رضي الله تعالى عنه وتكتمون وخرجت على أن الجملة في موضع الحال أي وأنتم تكتمون أو كاتمين وفي جواز إقتران الحال المصدرة بالمضارع بالواو قولان وليس للمانع دليل يعتمد عليه وهذه الحال عند بعض المحققين لازمة والتقييد لإفادة التعليل كما فيلا تضرب زيدا وهو أخوك وعليه يكون المراد بكتمان الحق ما يلزم من لبس الحق بالباطل لا إخفائه عمن لا يسمع وجوز أن تكون معطوفة على جملة النهي على مذهب من يرى جواز ذلك وهو سيبويه وجماعة ولا يشترط التناسب في عطف الجمل وأنتم تعلمون جملة حالية ومفعول تعلمون محذوف إقتصارا أي وأنتم من ذوي العلم ولا يناسب من كان عالما أن يتصف بالحال الذي أنتم عليه ولا يبعد أن يكون الحذف للإختصار أي وأنتم تعلمون أنكم لابسون كاتمون أو تعلمون صفته أو البعث والجزاء والمقصود من تقييد النهي بالعلم زيادة تقبيح حالهم لأن الإقدام على هاتيك الأشياء القبيحة مع العلم بما ذكر أفحش من الأقدام عليها مع الجهل وليس من يعلم كمن لا يعلم وجوز إبن عطية أن تكون هذه الجملة معطوفة وإن كانت ثبوتية على ما قبلها من جملة النهي وإن لم تكن مناسبة في الأخبار وهي عنده شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر النبي

الصفحة 246