كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
صلى الله تعالى عليه وسلم وليست شاهدة بالعلم على الأطلاق إذ هم بمراحل عنه وأستدل بالآية على أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه بالشروط المعروفة لدى العلماء وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة المراد بهما سواء كانت اللام للعهد أو للجنس صلاة المسلمين وزكاتهم لأن غيرهما مما نسخه القرآن ملتحق بالعدم والزكاة في الأصل النماء والطهارة ونقلت شرعا لإخراج معروف فإن نقلت من الأول فلأنها تزيد بركة المال وتفيد النفس فضيلة الكرم أو لأنها تكون في المال النامي وإن نقلت من الثاني فلأنها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل وأستدل بالآية حيث كانت خطابا لليهود من قال : إن الكفار مخاطبون بالفروع وإحتمال أن يكون الأمر فيها بقبول الصلاة المعروفة والزكاة والإيمان بهما أو أن يكون أمرا للمسلمين كما قاله الشيخ أبو منصور خلاف الظاهر فلا ينافي الإستدلال بالظاهر وقدم الأمر بالصلاة لشمول وجوبها ولما فيها من الإخلاص والتضرع للحضرة وهي أفضل العبادات البدنية وقرنها بالزكاة لأنها أفضل العبادات المالية ثم من قال : لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب قال : إنما جاء هذا بعد أن بين أركان ذلك وشرائطه ومن قال بجوازه قال بجواز أن يكون الأمر لقصد أن يوطن السامع نفسه كما يقول السيد لعبده إني أريد أن آمرك بشيء فلا بد أن تفعله وأركعوا مع الركعين 34 أي صلوا مع المصلين وعبر بالركوع عن الصلاة إحترازا عن صلاة اليهود فإنها لا ركوع فيها وإنما قيد ذلك بكونه مع الراكعين لأن اليهود كانوا يصلون وحدانا فأمروا بالصلاة جماعة لما فيها من الفوائد ما فيها وأستدل به بعضهم على وجوبها ومن لم يقل به حمل الأمر على الندب أو المعية على الموافقة وإن لم يكونوا معهم وقيل : الركوع الخضوع والإنقياد لما يلزمهم من الشرع قال الأضبط السعدي : لا تذل الفقير علك أن تركع يوما والدهر قد رفعه ولعل الأمر به حينئذ بعد الأمر بالزكاة لما أنها مظنة ترفع فأمروا بالخضوع لينتهوا عن ذلك إلا أن الأصل في إطلاق الشرع المعاني الشرعية : وفي المراد بالراكعين قولان : فقيل النبي وأصحابه وقيل : الجنس وهو الظاهر ومن باب الإشارة في قوله تعالى : ولا تلبسوا الحق إلخ أي لا تقطعوا على أنفسكم طريق الوصول إلى الحق بالباطل الذي هو تعلق القلب بالسوي فإن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ولا تكتموا الحق بالتفاتكم إلى غيره سبحانه وأنتم تعلمون أنه ليس لغيره وجود حقيقي أولا تخلطوا صفاته تعالى الثابتة الحقة بالباطل الذي هو صفات نفوسكم ولا تكتموها بحجاب صفات النفس وأنتم تعلمون من علم توحيد الأفعال أن مصدر الفعل هو الصفة فكما لم تسندوا الفعل إلى غيره لا تثبتوا صفته لغيره وأقيموا الصلاة بمراقبة القلوب وآتوا الزكاة أي بالغوا في تزكية النفس عن الصفات الذميمة لتحصل لكم التحلية بعد التخلية أو أدوا زكاة الهمم فإن لها زكاة كزكاة النعم بل إن لكل شيء زكاة كما قيل : كل شيء له زكاة تؤدي وزكاةالجمال رحمة مثلى وأركعوا أي أخضعوا لما يفعل بكم المحبوب فالخضوع علامة الرضا الذي هو ميراث تجلي الصفات العلى وحاصله أرضوا بقضائي عند مطالعة صفاتي فإن لي أحبابا لسان حال كل منهم يقول : وتعذيبكم عذب لدى وجوركم على بما يقضى الهوى لكم عدل ثم أنه تعالى لما أمرهم بفعل الخير شكرا لما خصهم به من النعم حرضهم على ذلك من مأخذ آخر بقوله سبحانه :