كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

غير مقطوع بهوإن كان أحد جزئيه مقطوعا أو يقال : إن الرجوع إلى الرب هنا المصير إلى جزائه الخاص أعني الثواب بدار السلام والحلول بجواره جل شأنه والكل خلاف الظاهر ولهذا أختير تفسير الظن باليقين مجازا ومعنى التوقع والإنتظار في ضمنه ولقاء الله تعالى بمعنى الحشر إليه والرجوع بمعنى المجازات ثوابا أو عقابا فكأنه عز شأنه قال : يعلمون أنهم يحشرون إليه فيجازيهم متوقيعن لذلك وكأن النكتة في إستعمال الظن المبالغة في إيهام أن من ظن ذلك لا يشق عليه ما تقدم فكيف من تيقنه والتعرض لعنوان الربوبية للإشعار بعلية الربوبيةوالمالكية للحكم وجعل خبر أن في الموضعين أسما للدلالة على تحقق اللقاء والرجوع وتقررهما عنده وقرأ إبن مسعود رضي الله تعالى عنه يعلمون وهي تؤيد هذا التفسير
ومن باب الإشارة أتأمرون الناس بالبر الذي هو الفعل الجميل الموجب لصفاء القلب وزكاء النفس ولا تفعلون ما ترتقون به من مقام تجلي الأفعال إلى تجلي الصفات وأنتم تتلون كتاب فطرتكم الذي يأمركم بالدين السالك بكم سبيل التوحيد أفلا تعقلون فتقيدون مطلقات صفاتكم الذميمة بعقال ما أفيض عليكم من الأنوار القديمة وأطلبوا المدد والعون ممن له القدرة الحقيقية بالصبر على ما يفعل بكم لكي تصلوا إلى مقام الرضا والصلاة التي هي المراقبة وحضور القلب لتلقي تجليات الرب وإن المراقبة لشاقة إلا علىالمنكسرة قلوبهم اللينة أفئدتهم لقبول أنوار التجليات اللطيفة وإستيلاء سطواتها القهرية فهم الذين يتيقنون أنهم بحضرة ربهم وأنهم إليه راجعون بفناء صفاتهم ومحوها في صفاته فلا يجدون في الدار إلا شئون الملك اللطيف القهار يابني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم كرر التذكير للتأكيد والإيذان بكمال غفلتهم عن القيام بحقوق النعمة وليربط ما بعده من الوعد الشديد به لتتم الدعوة بالترغيب والترهيب فكأنه قال سبحانه : إن لم تطيعوني لأجل سوابق نعمتي فأطيعوني للخوف من لواحق عقابي ولتذكير التفضيل الذي هو أجل النعم فإنه لذلك يستحق أن يتعلق به التذكير بخصوصه مع التنبيه على أجليته بتكرير النعمة التي هو فرد من أفرادها وأني فضلتكم على العالمين 74 عطف على نعمتي من عطف الخاص على العام وهو مما إنفردت بها لواو كما في البحر ويسمى هذا النحو من العطف بالتجريد كأنه جرد المعطوف من الجملة وأفرد بالذكر إعتناءا به والكلام على حذف مضاف أي فضلت آباءكم وهم الذين كانوا قبل التغيير أو بإعتبار أن نعمة الآباء نعمة عليهم قال الزجاج : والدليل على ذلك قوله تعالى : وإذ نجيناكم إلخ والمخاطبون لم يروا فرعون ولا آله ولكنه تعالى أذكرهم أنه لم يزل منعما عليهم والمراد ب العالمين سائر الموجودين في وقت التفضيل وتفضيلهم بما منحهم من النعم المشار إليها بقوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه يا قوم أذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا فلا يلزم من الآية تفضيلهم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا على أمته الذين هم خير أمة أخرجت للناس وكذا لا يصح الإستدلال بها على أفضلية البشر على الملائكة من جميع الوجوه ولو صح ذلك يلزم تفضيل عوامهم على خواص الملائكة ولا قائل به
ومن اللطائف أن الله سبحانه وتعالى أشهد بني إسرائيل فضل أنفسهم فقال : وأني فضلتكم إلخ وأشهد المسلمين فضل نفسه فقال : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا فشتان من مشهوده فضل ربه ومن مشهوده فضل نفسه فالأول يقتضي الفناء والثاني يقتضي الإعجاب والحمد لله الذي فصلنا على كثير

الصفحة 250