كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

الثانيةالثانية لأنها أقرب مذكور ولموافقيته لقوله تعالى : ولا هم ينصرون ولأنه المتبادر من قوله : ولا يؤخذ منها عدل ومعنى عدم قبول الشفاعة حينئذ أنها إن جاءت بشفاعة شفيع لم تقبل منها وإما الأولى لأنها المحدث عنها والثانية فضلة ولأن المتبادر من نفي قبول الشفاعة أنها لو شفعت لم تقبل شفاعتها وحينئذ معنى عدم أخذ العدل من الأولى أنه لو أعطى عدلا من الثانية لم يؤخذ وكأن في الآية على هذا نوعا من الترقي أرتكب هنا وإن لم يرتكب في مقام آخر كأنه قيل : إن النفس الأولى لا تقدر على إستخلاص صاحبتها من قضاء الواجبات وتدارك التبعات لأنها مشغولة عنها بشأنها ثم إن قدرت على نفي ما كان بشفاعة لا يقبل منها وإن زادت عليه بأن ضمت الفداء فلا يوخذ منها وإن حاولت الخلاص بالقهر والغلبة وأنى لها ذلك فلا تتمكن منه وأختار الكواشي جعل الضمير الأول للنفس الأولى والثانية للثانية على اللف والنشر لما فيه من إجراء الجملتين على المعنى الظاهر منهما ويهون أمر التفكيك الإتضاح وقرأ إبن كثير وأبو عمرو ولا تقبل بالتاء وسفيان يقبل بفتح الياء ونصب شفاعة على البناء للفاعل وفيه إلتفات من ضمير المتكلم في نعمتي إلخ إلى ضمير الغائب وبناؤه للمفعول أبلغ
ولا هم ينصرون 84 النصر في الأصل المعونة ومنه أرض منصورة ممدودة بالمطر والمراد به هنا ما يكون بدفع الضررأي ولا هم يمنعون من عذاب الله عز و جل والضمير راجع إما إلى ما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق النفي من النفوس الكثيرة فيكون من قبيل ما تقدم ذكره معنى بدلالة لفظ آخر وإما إلى النفس المنكرة من حيث كونها لعمومها بالنفي في معنى الكثرة كما قيل في قوله تعالى : فما منكم من أحد عنه حاجزين وأتى به مذكر التأويل النفوس بالعباد والأناسي وفيه تنبيه على أن تلك النفوس عبيد مقهورون مذللون تحت سلطانه تعالى وأنهم ناس كسائر الناس في هذا الأمر وعوده إلى النفسين بناء على أن التثنية جمع ليس بشيء وجعل النفي منسحبا على جملة أسمية للتقوى ورفع هم على الإبتداء والجملة بعده خبره وجعله مفعولا لما لم يسم فاعله والفعل بعده مفسر فتوافق الجمل لا أوافق على إختياره وإن ذهب إليه بعض الإجلة وتمسك المعتزلة بعموم الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر وكون الخطاب للكفار والآية نازلة فيهم لا يدفع العموم المستفاد من اللفظ وأجيب بالتخصيص من وجهين الأول بحسب المكان والزمان فإن مواقف القيامة ومقدار زمانها فيها سعة وطول ولعل هذه الحالة في إبتداء وقوعها وشدته ثم يأذن بالشفاعة وقد قيل : مثل ذلك في الجمع بين قوله تعالى : فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون وقوله تعالى : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون وكون مقام الوعيد يأبى عنه عير مسلم والثاني بحسب الأشخاص إذ لا بد لهم من التخصيص في غير العصاة لمزيد الدرجات فليس العام باقيا على عمومه عندهم وإلا أقتضى نفي زيادة المنافع وهم لا يقولون به ونحن نخصص في العصاة بالأحاديث الصحيحة البالغة حد التواتر وحيث فتح باب التخصيص نقول أيضا ذلك النفي مخصص بما قبل الأذن لقوله تعالى : لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن وهو تخصيص له دليل وتخصيصهم لا يظهر له دليل على أن الشفاعة بزيادة المنافع يكاد أن لا تكون شفاعة وإلا لكنا شفعاء الرسول عند الصلاة عليه مع أن الإجماع وقع منا ومنهم على أنه هو الشفيع وأيضا في قوله تعالى : وأستغفر لذنبك وللمؤمنين ما يشير إلى الشفاعة التي ندعيها ويحث على التخصيص الذي نذهب إليه رزقنا الله تعالى الشفاعة وحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة ولما قدم سبحانه ذكر نعمه إجمالا أراد أن يفصل ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة فقال : وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب وهو على الشافع عطف على نعمتي بتقدير أذكروا

الصفحة 252