كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

المختلفة عليكم فآشكروا وأصبروا فالكل منه وكل ما فعل المحبوب محبوب
وإذ فرقنا بكم البحر عطف على ما قبل والفرق الفصل بين الشيئين وتعديته إلى البحر بتضمين معنى الشق أي فلقناه وفصلنا بين بعضه وبعض لأجلكم وبسبب إنجائكم والباء للسببية الباعثة بمنزلة اللامإذا قلنا بتعليل أفعاله تعالى وللسببية الشبيهة بها في الترتيب على الفعل وكونه مقصودا منهإن لم نقل به وإنما قال سبحانه : بكم دون لكم لأن العرب على ما نقله الدامغان يتقول : غضبت لزيد إذا غضبت من أجله وهو حي وغضبت بزيد إذا غضبت من أجله وهو ميت ففيه تلويح إلى أن الفرق كان من أجل أسلاف المخاطبين ويحتمل أن تكون للإستعانة على معنى بسلوك كم ويكون هناك إستعارة تبعية بأن يشبه سلوكهم بالآلة في كونه واسطة في حصول الفرق من الله تعالى ويستعمل الباء وقول الإمام الرازي قدس سره : إنهم كانوا يسلكون ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنه فرق بهم يرد عليه أن تفرق الماء كان سابقا على سلوكهم على ما تدل عليه القصة وقوله تعالى : أن أضرب بعصاك البحر فأنفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وما قيل : إن الآلة هي العصا كما تفهمه الآيةغير مسلم والمفهوم كونها آلة الضرب لا الفرق ولو سلم يجوز كون المجموع آلة على أن آلية السلوك على التجوز وقد يقال : إن الباء للملابسة والجار والمجرور ظرف مستقر واقع موقع الحال من الفاعل وملابسته تعالى معهم حين الفرق ملابسة عقلية وهو كونه ناصرا وحافظا لهم وهي ما أشار إليه موسى عليه السلام بقوله تعالى : كلا إن معي ربي سيهدين ومن الناس من جعله حالا من البحر مقدما وليس بشيء لأن الفرق مقدم على ملابستهم البحر اللهم إلا على التوسع وأختلفوا في هذا البحر فقيل : القلزم وكان بين طرفيه أربعة فراسخ وقيل : النيل والعرب تسمى الماء المل والعذب بحرا إذا كثر ومنه مرج البحرين يلتقيان وأصله السعة وقيل : الشق ومن الأول البحرة البلدة ومن الثاني البحيرة التي شقت أذنها وفي كيفية الإنفلاق قولان فالمشهور كونه خطيا وفي بعض الآثار ما يقتضي كونه قوسيا إذ فيه أن الخروج من الجانب الذي دخلوا منه وإحتمال الرجوع في طريق الدخول يكاد يكون باطلا لأن الأعداء في اثرهم وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ما يتعلق بهذا المبحث
فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون في الكلام حذف يدل عليه المعنى والتقدير وإذ فرقنا بكم البحر وتبعكم فرعون وجنوده في تقحمه فأنجيناكم أي من الغرق أو من الغرق أو من إدراك فرعون وآله لكم أو مما تكرهون وكنى سبحانه بآل فرعون عن فرعون وآله كما يقال : بني هاشم وقوله تعالى : ولقد كرمنا بني آدم يعني هذا الجنس الشامل لآدم أو اقتصر على ذكر الآل لأنهم إذا عذبوا بالإغراق كان مبدأ العناد ورأس الضلال أولى بذلك وقد ذكر تعالى غرق فرعون في آيات أخر من كتابه كقوله سبحانه فأغرقناه ومن معه جميعا فأخذناه وجنوده فنبذناه في اليم وحمل الآلعلى الشخص حيث إنه ثبت لغة كما في الصحاح ركيك غير مناسب للمقام وإنما المناسب له التعميم وناسب نجاتهم بإلقائهم في البحر وخروجهم منه سالمين نجاة نبيهم موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام من الذبح بإلقائه وهو طفل في البحر وخروجه منه سالما ولكل أمة نصيب من نبيها وناسب هلاك فرعون وقومه بالغرق هلاك بني إسرائيل على أيديهم بالذبح لأن الذبح فيه تعجيل الموت بأنهار الدم والغرق فيه فيه إبطاء الموت ولا دم خارج وكان ما به الحياة وهو الماء كما يشير إليه قوله تعالى : وجعلنا من الماء كل

الصفحة 255