كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

إلى ساحل النجاة وإن إلى ربك المنتهى ويقال لفرعون وقومه إذا غرقوا وأدخلوا نارا : ألا بعدا للقوم الظالمين
وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة لما جاوز بنو إسرائيل البحر سألوا موسى عليه السلام أن يأتيهم بكتاب من عند الله فوعده سبحانه أن يعطيه التوراة وقبل موسى ذلك وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي الحجة أو ذا الحجة وعشر المحرم فالمفاعلة على بابها وهي من طرف فعل ومن آخر قبوله مثل عالجت المريض وإنكار جواز ذلك لا يسمع مع وروده في كلام العرب وتصريح الأئمة به وإرتضائهم له ويجوز أن يكون واعدنا من باب الموافاة وليس من الوعد في شيء وإنما هو من قولك موعدك يوم كذا وموضع كذا ويحتمل أن يكون بمعنى وعدنا وبه قرأ أبو عمرو أو يقدر الملاقاة أو يقال بالتفكيك إلى فعلين فيقدر الوحي في أحدهما والمجيء في الآخر ولا محذور في شيء كما حققه الدامغاني وقول أبي عبيدة : المواعدة لا تكون إلا من البشر غير مسلم وقول أبي حاتم : أكثر ما تكون من المخلوقين المتكافئين على تقدير تسليمه لا يضرنا و أربعين مفعول به محذوف المضاف بأدنى ملابسة أي إعطاء أربعين أي عند إنقضائها أو في العشر الأخير منها أو في كلها أو في أولها على إختلاف الروايات أو ظرف مستقر وقع صفة لمفعول محذوف لو اعدنا أي واعدنا موسى أمرا كائنا في أربعين وقيل : مفعول مطلق أي واعدنا موسى مواعدة أربعين ليلة
ومن الناس من ذهب إلى أن الأولى أن لا يقدر مفعول لأن المقصود بيان من وعد لا ما وعد وينصب الأربعين على الإجراء مجرى المفعول به توسعا وفيه مبالغة بجعل ميقات الوعد موعودا وجعل الأربعين ظرفا لواعدنا على حد جاء ريد يوم الخميس ليس بشيء كما لا يخفى و موسى أسم أعجمي لا ينصرف للعلمية والعجمة ويقال : هو مركب من مو وهو الماء وشي وهو الشجر وغير إلى سي بالمهلمة وكأن من سماه به أراد ماء البحر والتابوت الذي قذف فيه وخاض بعضهم في وزنه فعن سيبويه إن وزنه مفعل وقيل : إنه فعلي وهو مشتق من ماس يميس فأبدلت الياء واوا لضم ما قبلها كما قالوا طوبى وهي من ذوات الياء لأنها منطاب يطيب ويبعده أن الإجماع على صرفه نكرة ولو كان فعلى لم ينصرف لأن ألف التانيث وحدها تمنع الصرف في المعرفة والنكرة على أن زيادة الميم أولا أكثر من زيادة الألف آخرا وعبر سبحانه وتعالى عن ذلك الوقت بالليالي دون الأيام لأن إفتتاح الميقات كان من الليل والليالي غرر شهور العرب لأنها وضعت على سير القمر والهلال إنما يهل بالليل أو لأن الظلمة أقدم من الضوء بدليل وآية لهم الليل نسلخ منه النهار أو إشارة إلى مواصلة الصوم ليلا ونهارا ولو كان التفسير باليوم أمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل فلما نص على الليالي فهم من قوة الكلام أنه واصل أربعين ليلة بأيامها والقول بأن ذكر الليلة كان للإشعار بأن وعد موسى عليه السلام كان بقيام الليل ليس بشيء لأن المروي أن المأمور به كان الصيام لا القيام وقد يقال من طريق الإشارة : إن ذكر الليلة للرمز إلى أن هذه المواعدة كانت بعد تمام السير إلى الله تعالى ومجاوزة بحر العوائق والعلائق وهناك يكون السير في الله تعالى الذي لا تدرك حقيقته ولا تعلم هويته ولا يرى في بيداء جبروته إلا الدهشة والحيرة وهذا السير متفاوت بإعتبار الأشخاص والأزمان ولي مع الله تعالى وقت يشير إلى ذلك ثم أتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون 15 الإتخاذ يجيء بمعنى إبتداء صنعة فيتعدى لواحد نحو إتخذت سيفا أي صنعته وبمعنى إتخاذ وصف فيجري مجرى الجعل ويتعدى

الصفحة 257