كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
لإثنين نحو إتخذت زيدا صديقا والأمران محتملان في الآية والمفعول الثاني على الإحتمال الثاني محذوف لشناعته أي إتخذتم العجل الذي صنعه السامري إلها والذم فيه ظاهر لأنهم كلهم عبدوه إلا هرون مع إثني عشر ألفا أو إلا هرون والسبعين الذين كانوا مع موسى عليه السلام وعلى الإحتمال الأول لا حاجة إلى المفعول الثاني ويؤيده عدم التصريح به في موضع من آيات هذه القصة والذم حينئذ لما ترتب على الإتخاذ من العبادة أو على نفس الإتخاذ لذلك والعرب تذم أو تمدح القبيلة بما صدر عن بعضها و العجل ولد البقرة الصغير وجعله الصوفية إشارة إلى عجل النفس الناقصة وشهواتها وكون ما أتخذوه عجلا ظاهر في أنه صار لحما ودما فيكون عجلا حقيقة ويكون نسبة الخوار إليه فيما يأتي حقيقة ايضا وهو الذي ذهب إليه الحسن وقيل : أراد سبحانه بالعجل ما يشبهه في الصورة والشكل ونسبة الخوار إليه مجاز وهو الذي ذهب إليه الجمهور وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك
ومن الغريب إن هذا إنما سمي عجلا لأنهم عجلوا به قبل قدوم موسى فأتخذوه إلها أو لقصر مدته حيث أن موسى عليه السلام بعد الرجوع من الميقات حرقه ونسفه في اليم نسفا والضمير في بعده راجع إلى موسى أي بعد ما رأيتم منه من التوحيد والتنزيه والحمل عليه والكف عما ينافيه وذكر الظرف للإيذان بمريد شناعة فعلهم ولا يقتضي أن يكون موسى متخذا إلهاكما وهمل أن مفهوم الكلام أن يكون الإتخاذ بعد موسى ومن أين يفهم إتخاذ موسى سيما في هذا المقام ويجوز أن يكون في الكلام حذف وأقرب ما يحذف مصدر يدل عليه واعدنا أي من بعد مواعدته وقيل : المحذوف الذهاب المدلول عليه بالمواعدة لأنها تقتضيه والجملة الأسمية في موضع الحال ومتعلق الظلم الإشراك ووضع العبادة في غير موضعها وقيل : الكف عن الإعتراض على ما فعل السامري وعدم الإنكار عليه وفائدة التقييد بالحال الإشعار بكون الإتخاذ ظلما بزعمهم أيضا لو راجعوا عقولهم بأدنى تأمل وقيل : الجملة غير حال بل مجرد إخبار أن سجيتهم الظلم وإنما راج فعل السامري عندهم لغاية حمقهم وتسلط الشيطان عليهم كما يدل على ذلك سائر أفعالهم وإتخاذ السامري لهم العجل دون سائر الحيوانات قيل : لأنهم مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم على صور البقر فقالوا أجعل لنا إلها كما لهم آلهة فهجس في نفس السامري أن فتنتهم من هذه الجهة فأتخذ لهم ذلك وقيل : إنه كان هو من قوم يعبدون البقر وكان منافقا فأتخذ عجلا من جنس ما يعبده
ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون 25 ثم لتفاوت ما بين فعلهم القبيح ولطفه تعالى في شأنهم فلا يكون من بعد ذلك تكرارا و عفا بمعنى درس يتعدى ولا يتعدى كعفت الدار وعفاها الريحوالمراد بالعفو هنا محو الجريمة بالتوبة وذلك موضوع موضع ذلكم والإشارة للإتخاذ كما هو الظاهر وإيثارها لكمال العناية بتمييزه كأنه يجعل ظلمهم مشاهدا لهم وصيغة البعيد مع قربه لتعظيمه ليتوسل بذلك إلى جلالة قدر العفو والمراد بالترجي ما علمت والمشهور هنا كونه مجازا عن طلب الشكر على العفو ومن قدر الإرادة منأهل السنة أراد مطلق الطلب وليس ذلك من الإعتزال إذ لا نزاع في أن الله تعالى قد يطلب من العباد ما لا يقع والشكر عند الجنيد هو العجز عن الشكر وعند الشبلي التواضع تحت رؤية المنة وقال ذو النون : الشكر لمن فوقك بالطاعة ولنظيرك بالمكافآت ولمن دونك بالإحسان
ؤإذ أتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون 35 الكتاب التوراة بإجماع المفسرين