كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
وفي الفرقان أقوال الأول إنه هو التوراة أيضا والعطف من قبيل عطف الصفات للإشارة إلى إستقلال كل منها فإن التوراة لها صفتان يقالان بالتشكيك كونها كتابا جامعا لما لم يجمعه منزل سوى القرآن وكونها فرقانا أي حجة تفرق بين الحق والباطل قاله الزجاج ويؤيد هذا قوله تعالى : ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياءا وذكرا الثاني أنه الشرع الفارق بين الحلال والحرام فالعطف مثله في تنزل الملائكة والروح قاله إبن بحر الثالث أنه المعجزات الفارقة بين الحق والباطل من العصا واليد وغيرهما قاله مجاهد
الرابع أنه النصر الذي فرق بين العدو والولي وكان آية لموسى عليه السلام ومنه قيل ليوم بدر : يوم الفرقان قاله إبن عباس رضي الله تعالى عنهما وقيل : إنه القرآن ومعنى إتيانه لموسى عليه السلام نزول ذكره له حتى آمن به حكاه إبن الأنباري وهو بعيد وأبعد منه ما حكى عن الفراء وقطر بأنه القرآن والكلام على حذف مفعول أي ومحمدا الفرقان وناسب ذكر الإهتداء إثر ذكر إتيان موسى الكتاب والفرقان لأنهما يترتب عليهما ذلك لمن ألقى السمع وهو شهيد
وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم بإتخاذكم العجل نعمة أخروية في حق المقتولين من بني إسرائيل حيث نالوا درجة الشهداء كما أن العفو نعمة دنيوية في حق الباقين وإنما فصل بينهما بقوله : وإذ آتينا إلخ لأن المقصود تعداد النعم فلو أتصلا لصارا نعمة واحدة وقيل : هذه الآية وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذكير بالنعم وليس بشيء واللام في لقومه للتبليغ وفائدة ذكره التنبيه على أن خطاب موسى لقومه كان مشافهة لا بتوسط من يتلقى منه كالخطابات المذكورة سابقا لبني إسرائيل والقوم أسم جمع لا واحد له من لفظه وإنما واحده أمريء وقياسه أن لا يجمع وشذ جمعه علىأقاويم والمشهور إختصاصه بالرجال لقوله تعالى : لا يسخر قوم من قوم مع قوله : ولا نساء من نساء وقال زهير : فما أدري وسوف أخال أدري أ قوم آل حصن أم نساء وقيل : لا إختصاص له بهم بل يطلق على النساء أيضا لقوله تعالى : إنا أرسلنا نوحا إلى قومه والأول أصوب وإندراج النساء على سبيل الإستتباع والتغليب والمجاز خير من الإشتراك وسمى الرجال قوما لأنهم يقومون بما لا يقوم به النساء وفي إقبال موسى عليهم بالنداء ونداؤه لهم ب ياقوم إيذان بالتحنن عليهم وأنه منهم وهم منه وهز لهم لقبولهم الأمر بالتوبة بعد تقريعهم بأنهم ظلموا أنفسهم والباء في بإتخاذكم سببية وفي الإتخاذهنا الإحتمالان السابقان هناك فتوبوا إلى بارئكم الفاء للسببية لأن الظلم سبب للتوبة وقد عطفت ما بعدها على إنكم ظلمتم والتوافق في الخبرية والإنشائية إنما يشترط في العطف بالواو وتشعر عبارات بعض الناس أنها للسببية دون العطف والتحقيق أنها لهما معا و الباريء هو الذي خلق الخلق بريا من التفاوت وعدم تناسب الأعضاء وتلائم الأجزاء بأن تكون إحدى اليدين في غاية الصغر والرقة والأخرى بخلافه ومتميزا بعضه عن بعض بالخواص والأشكال والحسن والقبح فهو أخص من الخالق وأصل التركيب لخلوص الشيء وإنفصاله عن غيره إما على سبيل التفصي كبرء المريض أو الإنشاء كبرأ الله تعالى آدم أي خلقه إبتداءا متميزا عن لوث الطين وفي ذكره في هذا المقام تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطيف حكمته حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله تعالى ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم