كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
والعندية هنا مجاز وكرر الباريء بلفظ الظاهر إعتناء بالحث على التسليم له في كل حال وتلقي ما يرد من قبله بالقبول والإمتثال فإنه كما رأى الإنشاء راجحا فأنشأ رأى الإعدام راجحا فأمر به وهو العليم الحكيم
فتاب عليكم جواب شرط محذوف بتقدير قد إن كان من كلام موسى عليه السلام لهم تقديره إن فعلتم ما أمرتم به فقد تاب عليكم ومعطوف على محذوف إن كان خطابا من الله تعالى لهم كأنه قال : ففعلتم ما أمرتم فتاب عليكم بارئكم وفيه إلتفات لتقدم التعبير عنهم في كلام موسى عليه السلام بلفظ القوم وهو من قبيل الغيبة أو من التكلم إلى الغيبة في فتاب حيث لم يقل : فتبنا ورجح العطف لسلامته من حذف الأداة والشرط وإبقاء الجواب وفي ثبوت ذلك عن العرب مقال وظاهر الآية كونها إخبارا عن المأمورين بالقتل الممتثلين ذلك وقال إبن عطية : جعل الله تعالىالقتل لم نقتل شهادة و تاب عن لباقين و عفا عنهم فمعنى عليكم عنده على باقيكم نه هو التواب الرحيم 45 تذييل لقوله تعالى : فتوبوا فإن التوبة بالقتل لما كانت شاقة على النفس هونها سبحانه بأنه هو الذي يوفق إليها ويسهلها ويبالغ في الإنعام على من أتى بها أو تذييل لقوله تعالى : فتاب عليكم وتفسر التوبة منه تعالى حينئذ بالقبول لتوبة المذنبين والتأكيد لسبق الملوح أو للإعتناء بمضمون الجملة والضمير المنصوب إن كان ضمير لشأن فالضمير المرفوع مبتدأ وهو الأنسب لدلالته على كمال الإعتناء بمضمون الجملة وإن كان راجعا إلى لباريء سبحانه فالضمير المرفوع إما فصل أو مبتدأ هذا وحظ العارف من هذه القصة أن يعرف أن هواه بمنزلة عجل بني إسرائيل فلا يتخذه إلها أفرأيت من إتخذ إلهه هواه وأن الله سبحانه قد خلق نفسه في أصل لفطرة مستعدة لقبول فيض الله تعالى والدين القويم ومتهيئة لسلوك المنهج المستقيم والترقي إلى جناب القدس وحضرة الأنس وهذا هو الكتاب الذي أوتيه موسى القلب والفرقان الذي يهتدي بنوره في ليالي السلوك إلى حضرة الرب فمتى أخلدت النفس إلى الأرض وأتبعت هواها وآثرت شهواتها على مولاها أمرت بقتلها بكسر شهواتها وقلع مشتهياتها ليصح لها البقاء بعد الفناء والصحو بعد المحو وليست التوبة الحقيقية سوى محو البشرية بإثبات الألوهية وهذا هو الجهاد الأكبر والموت الأحمر
ليس من مات فأستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء وهذا صعب لا يتيسر إلا لخواص الحق ورجال الصدق وإليه الإشارة ب موتوا قبل أن تموتوا وقيل : أول قدم في العبودية إتلاف النفس وقتلها بترك الشهوات وقطعها عن الملاذ فكيف الوصول إلى شيء من منازل الصديقين ومعارج المقربين هيهات هيهات ذاك بمعزل عنا ومناط الثريا منا تعالوا نقم مأتما للهموم فإن الحزين يواسي الحزينا وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك القائل هم السبعون الذي أختارهم موسى عليه السلام لميقات التوراة قيل : قالوه بعد الرجوع وقتل عبدة العجل وتحريق عجلهم ويفهم من بعض الآثار أن القائل أهل الميقات الثاني الذي ضربه الله تعالى للإعتذار عن عبدة العجل وكانوا سبعين أيضا وقيل : القائل عشرة آلاف من قومه وقيل : الضمير لسائر بني إسرائيل إلا من عصمه الله تعالى وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأعراف ما ينفعك هنا واللام من لك إمالام الأجل أو للتعدية بتضمين معنى الأقرار على أن موسى مقر له