كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

أخو العلم حي خالد بعد موته وأوصاله تحت التراب رميم وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى يظن من الأحياء وهو عديم ومعنى البعث على هذا التعليم أي ثم علمناكم بعد جهلكم لعلكم تشكرون 65 أي نعمة الله تعالى عليكم بالأحياء بعد الموت أو نعمته سبحانه بعد ما كفرتموها إذ رأيتم بأس الله تعالى في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت وتكليف من أعيد بعد الموت مما ذهب إليه جماعة لئلا يخلو بالغ عاقل من تعبد في هذه الدار بعد بعثة المرسلين ومن جعل البعث بعد الموت مجازا عن التعليم بعد الجهل جعل متعلق الشكر ذلك وفي بعض الآثار أنه لما أحياهم الله تعالى سألوا أن يبعثهم أنبياء ففعل فمتعلق الشكر حينئذ على ما قيل : هذا البعث وهو بعيد وأبعد منه جعل متعلقه إنزال التوراة التي فيها ذكر توبته عليهم وتفصيل شرائعهم بعد إن لم يكن لهم شرائع
وقد أستدل المعتزلة وطوائف من المبتدعة بهذه الآية على إستحالة رؤية الباري سبحانه وتعالى لأنها لو كانت ممكنة لما أخذتهم الصاعقة بطلبها والجواب أن أخذ الصاعقة لهم ليس لمجرد الطلب ولكن لما أنضم إليه من التعنت وفرط العناد كما يدل عليه مساق الكلام حيث علقوا الإيمان بها ويجوز أيضا أن يكون ذلك الأخذ لكفرهم بإعطاء الله تعالى التوراة لموسى عليه السلام وكلامه إياه أو نبوته لا لطلبهم وقد يقال : إنهم لما لم يكونوا متأهلين لرؤية الحق في هذه النشأة كان طلبهم لها ظلما فعوقبوا بما عوقبوا وليس في ذلك دليل على إمتناعها مطلقا في الدنيا والآخرة وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق هذه المسألة بوجه لا غبار عليه وظللنا عليكم الغمام عطف على بعثناكم وقيل : على قلتم والأول أظهر للقرب والإشتراك في المسند إليه مع التناسب في المسندين في كون كل منهما نعمة بخلاف قلتم فإنه تمهيد لها وإفادته تأخير التظليل والإنزال عن واقعة طلبهم الرؤية وعلى التقديرين لا بد لترك كلمة إذ ههنا من نكتة ولعلها الإكتفاء بالدلالة العقلية على كون كل منهما نعمة مستقلة مع التحرز عن تكرارها في ظللنا وأنزلنا و الغمام أسم جنس كحمامة وحمام وهو السحاب وقيل : ما أبيض منه وقال مجاهد : هو أبرد من السحاب وأرق وسمى غماما لأنه يغم وجه السماء ويستره ومنه الغم والغمم وهل كان غماما حقيقة أو شيئا يشبهه وسمى به قولان والمشهور الأول وهو مفعول ظللنا على إسقاط حرف الجر كما تقول : ظللت على فلان بالرداء أو بلا إسقاط والمعنى جعلنا الغمام عليكم ظلة والظاهر أن الخطاب لجميعهم فقد روى أنهم لما أمروا بقتال الجبارين وأمتنعوا وقالوا أذهب أنت وربك فقاتلا إبتلاهم الله تعالى بالتيه بين الشام ومصر أربعين سنة وشكوا حر الشمس فلطف الله تعالى بهم بإظلال الغمام وإنزال المن والسلوى وقيل : لما خرجوا من البحر وقعوا بأرض بيضاء عفراء ليس فيها ماء ولا ظل فشكوا الحر فوقوا به وقيل : الذين ظللوا بالغمام بعض بني إسرائيل وكان الله تعالى قد أجرى العادة فيهم أن من عبد ثلاثين سنة لا يحدث فيها ذنبا أظلته الغمامة وكان فيهم جماعة يسمون أصحاب غمائم فأمتن الله تعالى عليهم لكونهم فيهم من له هذه الكرامة الظاهرة والنعمة الباهرة وأنزلنا عليكم المن والسلوى المن أسم جنس لا واحد له من لفظه والمشهور أنه الترنجبين وهو شيء يشبه الصمغ حلو مع شيء من الحوضة كان ينزل عليهم كالطل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس في كل يوم إلا يوم السبت وكان كل شخص مأمورا بأن يأخذ قدر صاع كل يوم أو ما يكفيه يوما وليلة ولا يدخر إلا يوم الجمعة فإن إدخار حصة السبت كان مباحا فيه وعن وهب إنه الخبز الرقاق وقيل : المراد به جميع ما من الله تعالى

الصفحة 263