كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

به عليهم في التيه وجاءهم عفوا بلا تعب وإليه ذهب الزجاج ويؤيده قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : الكمأة من المن الذي من الله تعالى به على بني إسرائيل و السلوى أسم جنس أيضا واحدها سلواة كما قاله الخليل وليست الألف فيها للتأنيث وإلا لما أنثت بالهاء في قوله
كما أنتفض السلوات من بلل القطر
وقال : الكسائي السلوى واحدة وجمعها سلاوى وعند الأخفش الجمع والواحد بلفظ واحد وقيل : جمع لا واحد له من لفظه وهو طائر يشبه السماني أو هو السماني بعينها وكانت تأتيهم من جهة السماء بكرة وعشيا أو متى أحبوا فيختارون منها السمين ويتركون منها الهزيل وقيل : إن ريح الجنوب تسوقها إليهم فيختارون منها حاجتهم ويذهب الباقي وفي رواية كانت تنزل عليهم مطبوخة ومشويةوسبحان من يقول للشيء كن فيكون وذكر السدوسي أن السلوى هو العسل لغة كنانة ويؤيده قول الهذلي : وقاسمتها بالله جهرا لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورها وقول إبن عطيةإنه غلط غلط وإشتقاقها من السلوة لأنها لطيبها تسلي عن غيرها وعطفها على بعض وجوه المن من عطف الخاص على العام إعتناء بشأنه كلوا من طيبات ما رزقناكم أمر إباحة على إرادة القول أي وقلنا أو قائلين والطيبات المستلذات وذكرها للمنة عليهم أو الحلالات فهو للنهي عن الإدخار و من للتبعيض وأبعد من جعلها للجنس أو للبدل ومثله من زعم أن هذا على حذف مضاف أي من عوض طيبات قائلا إن الله سبحانه عوضهم عن جميع مآكلهم المستلذة من قبل بالمن والسلوى فكانا بدلا من الطيبات و ما موصولة والعائد محذوف أي ررقناكموه أو مصدرية والمصدر بمعنى المفعول وأستنبط بعضهم من الآية أنه لا يكفي وضع المالك الطعام بين يدي الإنسان في إباحة الأكل بل لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن المالك وهو أحد أقوال في المسألة وما ظلمونا عطف على محذوف فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر أو فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا بذلك ويجوزكما في البحر أن لايقدر محذوف لأنه قد صدر منهم إرتكاب قبائح من إتخاذ العجل إلها وسؤال رؤيته تعالى ظلما وغير ذلك فجاء قوله تعالى : وما ظلمونا بجملة منفية تدل على أن ما وقع منهم من تلك القبائح لم يصل إلينا منها نقص ولا ضرر وفي هذا دليل على أنه ليس من شرط نفي الشيء عن الشيء إمكان وقوعه لأن ظلم الإنسان لله تعالى لا يمكن وقوعه البتة ولكن كانوا أنفسهم يظلمون 75 بالكفران أو بما فعلوا إذ لا يتخطاهم ضرره وتقديم المفعول للدلالة على القصر الذي يقتضيه النفي السابق وفيه ضرب تهكم بهم والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم في الظلم وإستمرارهم عليه وفي ذكر أنفسهم بجمع القلة تحقير لهم وتقليل والنفس العاصية أقل من كل قليل وإذ قلنا أدخلوا هده القرية منصوبة على الظرفية عند سيبويه والمفعولية عند الأخفش والظاهر أن الأمر بالدخول على لسان موسى عليه السلام كالأوامر السابقة واللاحقة والقرية بفتح القاف والكسر لغة أهل اليمن المدينة من قريت إذا جمعت سميت بذلك لأنها تجمع الناس على طريقة المساكنة وقيل : إن قلوا قيل لها : قرية وإن كثروا قيل لها مدينة وأنهى بعضهم حد القلة إلى ثلاثة والجمع القرى على غير قياس وقياس أمثاله فعال كظبية وظباء وفي المراد بها هنا خلاف جم

الصفحة 264