كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
والمشهور عن إبن عباس وإبن مسعود وقتادة والسدي والربيع وغيرهم وإليه ذهب الجمهور أنها بيت المقدس وقد كان هذا الأمر بعد التيه والتحير وهو أمر إباحة يدل عليه عطف فكلوا إلخ وهو غير الأمر المذكور بقوله تعالى : يا قوم أدخلوا تلأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين لأنه كان قبل ذلك وهو أمر تكليف كما يدل عليه عطف النهي ومنهم من زعم إتحادهما وجعل هذا الأمر أيضا للتكليف وحمل تبديل الأمر على عدم إمتثاله بناء على أنهم لم يدخلوا القدس في حياة موسى عليه السلام ومنهم من أدعى إختلافهما لكنه زعم أن ما هنا كان بعد التيه على لسان يوشع لا على لسان موسى عليهما السلام لأنه وأخاه هرون ماتا في التيه وفتح يوشع مع بني إسرائيل أرض الشام بعد موته عليه السلام بثلاثة أشهر ومنهم من قال الأمر في التيه بالدخول بعد الخروج عنه ولا يخفى ما في كل فالأظهر ما ذكرنا وقد روى أن موسى عليه السلام سار بعد الخروج من التيه بمن بقى من بني إسرائيل إلى أريحاء وهي بأرض القدس وكان يوشع بن نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبض وكأنهم أمروا بعد الفتح بالدخول على وجه الإقامة والسكنى كما يشير إليه قوله تعالى : فكلوا إلخ وقوله تعالى في الأعراف : أسكنوا هذه القرية ويؤيد كونه بعد الفتح الشارة بلفظ القريب والقول بأنها نزلت منزلة القريب ترويجا للأمر بعيد ولا ينافي هذا ما مر من أنه مات في التيه لأن المراد به المفازة لا التيه مصدرتاه يتيه تيها بالكسر والفتح وتيهانا إذا ذهب متحيرا فليفهم فكلوا منها حيث شئتم رغدا أي واسعا هنيئا ونصبه على المصدرية أو الحالية من ضمير المخاطبين وفي الكلام آشارة إلى حل جميع مواضعها لهم أو الأذن بنقل حاصلها إلى أي موضع شاؤا مع دلالة رغدا على أنهم مرخصون بالأكل منها واسعا وليس عليهم القناعة لسد الجوعة ويحتمل أن يكون وعدا لهم بكثرة المحصولات وعدم الغلاء وأخر هذا المنصوب هنا مع تقديمه في آية آدم عليه السلام قبل لمناسبة الفاصلة في قوله تعالى : وأدخلوا الباب سجدا والخلاف في نصب الباب كالخلاف في نصب هذه القرية والمراد بها على المشهور أحد أبواب بيت القدس وتدعى الآن باب حطة قاله إبن عباس وقيل : الباب الثامن من أبوابه ويدعى الآن باب التوبة وعليه مجاهد وزعم بعضهم أنها باب القبة التي كانت لموسى وهرون عليهما السلام يتعبدان فيها وجعلت قبلة لبني إسرائيل في التيهؤ في وصفها أمور غريبة في القصص لا يعلمها إلا الله تعالى وسجدا حال من ضمير أدخلوا والمراد خضعا متواضعين لأن اللائق بحال المذنب التائب والمطيع الموافق الخشوع والمسكنة ويجوز حمل السجود على المعنى الشرعي والحال مقارنة أو مقدرة ويؤيد الثاني ما روى عن وهب في معنى الآية إذا دخلتموه فأسجدوا شكرا لله أي على ما أنعم عليكم حيث أخرجكم من التيه ونصركم على من كنتم منه تخافون وأعادكم إلى ما تحبون وقول الزمخشري أمروا بالسجود عند الإنتهاء إلى الباب شكرا لله تعالى وتواضعالم نقف على ما يدل عليه من كتاب وسنة وفسر إبن عباس السجود هنا بالركوع وبعضهم بالتطامن والإنحناء قالوا : وأمروا بذلك لأن الباب كان صغيرا ضيقا يحتاج الداخل فيه إلى إنحناء وفي الصحيح عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول الله قيل لبني إسرائيل : أدخلوا الباب سجدا فدخلوا يزحفون على أستاههم وقولوا حطة أي مسألتنا أو شأنك يا ربنا أن تحط عنا ذنوبنا وهي فعلة منا لحط كالجلسة وذكر أبان إنها بمعنى التوبة وأنشد : فاز بالحطة التي جعل الله بها ذنب عبده مغفورا