كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون 95 وضع المظهر موضع الضمير مبالغة في تقبيح أمرهم وإشعارا بكون ظلمهم وإضرارهم أنفسهم بترك ما يوجب نجاتها أو وضعهم غير المأمور به موضعه سببا لإنزال الرجز وهو العذاب وتكسر راؤه وتضم والضم لغة بني الصعدا توبه قرأ إبن محيصن والمراد به هنا كما روى عن إبن عباس ظلمة وموت يروى أنه مات منهم في ساعة أربعة وعشرون ألفا وقال وهب : طاعون غدوا به اربعين ليلة ثم ماتوا بعد ذلك وقال إبن جبير : ثلج هلك به منهم سبعون ألفا فإن فسر بالثلج كان كونه من السماء ظاهرا وإن بغيره فهو إشارة إلى الجهة التي يكون منها القضاء أو مبالغة في علوه بالقهر والإستيلاء وذكر بعض المحققين أن الجار والمجرور ظرف مستقر وقع صفة ل رجزا و بما كانوا يفسقون متعلق به لنيابته عن العامل علة له وكلمة ما مصدرية والمعنى أنزلنا على الذين ظلموا لظلمهم عذابا مقدرا بسبب كونهم مستمرين علىالفسقفي الزمان الماضي وهذا أولى من جعل الجار والمجرور ظرفا لغوا متعلقا ب أنزلنا لظهوره على سائر الأقوال ولئلا يحتاج في تعليل الإنزال بالفسق بعد التعليل المستفاد من التعليق بالظلم إلى القول بأن الفسق عينا لظلم وكرر للتأكيد أو أن الظلم أعم والفسق لا بد أن يكون من الكبائر فبعد وصفهم بالظلم وصفوا بالفس بكونه من الكبائر فإن الأول بضاعة العاجز والثاني لا يدفع ركاكة التعليل وما قيل : إنه تعليل للظلم فيكون إنزال العذاب مسببا عن الظلم المسبب عن الفسق ليس بشيء إذ ظلمهم المذكور سابقا الذي هو سبب الإنزال لا يحتاج إلى العلة وقد أحتج بعض الناس بقوله تعالى : فبدل إلخ وترتب العذاب عن التبديل على أن ما ورد به التوقيف من الأقوال لا يجوز تغييره ولا تبديله بلفظ آخر وقال قوم : يجوز ذكر إذا كانت الكلمة الثانية تسد الأولى وعلى هذا جرى الخلاف كما في البحر في قراءة القرآن بالمعنى وروى الحديث به وجرى في تكبيرة الإحرام وفي تجويز النكاح بلفظ الهبة والبيع والتمليك والبحث مفصل في محله هذا وقد ذكر مولانا الإمام الرازي رحمه الله تعالى أن هذه الآية ذكرت في الأعراف مع مخالفة من وجوه لنكات الأول قال هنا : وإذ قلنا لما قدم ذكر النعم فلا بد من ذكر المنعم وهناك وإذا قيل إذ لا إبهام بعد تقديم التصريح به الثاني قال هنا : أدخلوا وهناك أسكنوا لأن الدخول مقدم ولذا قدم وضعا المقدم طبعا الثالث قال هنا : خطاياكم بجمع الكثرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه واللائق بجوده غفران الذنوب الكثيرة وهناك خطيئاتكم بجمع القلة إذ لم يصرح بالفاعل الرابع قال هنا : رغدا دون هناك لإسناد الفعل إلى نفسه هنا فناسب ذكر الأنعام الأعظم وعدم الإسناد هناك
الخامس قال هنا : أدخلوا الباب سجدا وقولوا حطة وهناك بالعكس لأن الواو لمطلق الجمع وايضا المخاطبون يحتمل أن يكون بعضهم مذنبين والبعض الآخر ما كانوا كذلك فالمذنب لا بد وأن يكون إشتغاله بحط الذنب مقدما على إشتغاله بالعبادة فلا جرم كات تكليف هؤلاء أن يقولوا : حطة ثميد خلوا وأما الذي لا يكون مذنبا فالأولى به أن يشتغل أولا بالعبادة ثم يذكر التوبة ثانيا للهضم وإزالة العجب فهؤلاء يجب أنيدخلوا ثم يقولوا فلما أحتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى ذين القسمين لا جرم