كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
إثباته وقوله تعالى : نغفر لكم خطاياكم سنزيد المحسنين موعد بشيئين بالغفران والزيادة وطرحا لو اولا يخل لأنه إستئناف مرتب عى تقدير قول القائل : ماذا بعد الغفران فقيل له : سنزيد المحسنين وكذلك زيادة منهم زيادة بيان وأرسلنا و أنزلنا و يظلمون و يفسقون من دار واحد إنتهى
وبالجملة التفنن في التعبير لم يزل دأب البلغاء وفيه من الدلالة على رفعة شأن المتكلم ما لا يخفى والقرآن الكريم مملوء من ذلك ومن رام بيان سر لكل ما وقع فيه منه فقد رام ما لا سبيل إليه إلا بالكشف الصحيح والعلم اللدني والله يؤتي فضله من يشاء وسبحان من لا يحيط بأسرار كتابه إلا هو
ومن باب الإشارة في الآيات وإذ قلتم لموسىالقلب لن نؤمن الإيمان الحقيقي حتى نصل إلى مقام المشاهدة والعيان فأخذتكم صاعقة الموت الذي هو الفناء في التجلي الذاتي وأنتم تراقبون أو تشاهدون ثم بعثناكم بالحياة الحقيقية والبقاء بعد الفناء لكي تشكروا نعمة التوحيد والوصول بالسلوك في الله عز و جل وظللنا عليكم غمام تجلي الصفات لكونها حجب شمس الذات المحرقة سبحات وجهه ما إنتهى إليه بصره وأنزلنا عليكم من الأحوال والمقامات الذوقية الجامعة بين الحلاوة وإذهاب رذائل أخلاق النفس كالتوكل والرضا وسلوى الحكم والمعارف والعلوم الحقيقية التي يحشرها عليكم ريح الرحمةوالنفحات الآلهية في تيه الصفات عند سلوككم فيها فتسلون بذلك السلوى وتنسون من لذائذ الدنيا كل ما يشتهي كلوا أي تناولوا وتلقوا هذه الطيبات التي رزقتموها حسب إستعدادكم وأعطيتموها على ما وعد لكم وما ظلمونا أي ما نقصوا حقوقنا وصفاتنا بإحتجاجهم بصفات أنفسهم ولكن كانوا ناقصين حقوق أنفسهم بحرمانها وخسرانها وهذا هو الخسران المبين وإذ قلنا أدخلوا هذه القرية أي المحل المقدس الذي هو مقام المشاهدة وأدخلوا الباب الذي هو الرضا بالقضاء فهو باب الله تعالى الأعظم سجدا منحنين خاضعين لما يرد عليكم من التجليات وأطلبوا أن يحط الله تعالى عنكم ذنوب صفاتكم وأخلاقكم وأفعالكم فإن فعلتم ذلك نغفر لكم خطاياكم فمن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وسنزيد المحسنين أي المشاهدين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهل ذلك إلا الكشف التام عن الذات الأقدس فبدل الذين ظلموا أنفسهم وأضاعوها ووضعوها في غير موضعها اللائق بها قولا غير الذي قيل لهم إبتغاءا للحظوظ الفانية والشهوات الدنية فأنزلنا على الظالمين خاصة عذابا وظلمة وضيقا في سجن الطبيعة وإسرا في وثائق التمني وقيد الهوى وحرمانا وذلا بمحبة الماديات السفلية والإعراض عن هاتيك التجليات العلية وذلك من جهة قهر سماء الروح ومنع اللطف والروح عنهم بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة القلب الذي لا يأمر إلا بالهدى كما ورد في الأثر أستفت قلبك وإن أفتاك المفتون إلى طاعة النفس الأمارة بالسوء
وهذا هو البلاء العظيم والخطب الجسيم
من كان يرغب في السلامة فليكن أبدا من الحدق المراض عياذه لا تخدعنك بالفتور فإنه نظر يضر بقلبك إستلذاذه إياك من طمع المنى فعزيزه كذليله وغنيه شحاذه وإذ استسقى موسى لقومه تذكير لنعمة عظيمة كفروا بها وكان ذلك في التيه لما عطشوا ففي