كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

بعض الآثار أنهم قالوا فيه : من لنا بحر الشمس فظلل عليهم الغمام وقالوا : من لنا بالطعام فأنزل الله تعالى عليهم المن والسلوى وقالوا : من لنا بالماء فأمر موسى بضرب الحجر وتغيير الترتيب لقصد إبراز كل من الأمور المعدود في معرض أمر مستقل واجب التذكير والتذكير ولو روعي الترتيب الوقوعي لفهم أن الكل أمر واحدأمر بذكره والإستسقاء طلب السقيا عند عدم الماء أو قلته قيل : ومفعول أستسقى محذوف أيربه أو ماء وقد تعدى هذا الفعل في الفصيح إلى المستسقى منه تارة وإلىالمستسقى أخرى كما في قوله تعالى : وإذ أستسقاه قومه وقوله : وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل وتعديته إليهما مثل أن تقول : أستسقى زيد ربه الماء لم نجدها في شيء من كلام العرب واللام متعلقة بالفعل وهي سببية أي لأجل قومه فقلنا أضرب بعصاك الحجر أي فأجبناه فقلنا إلخ والعصا مؤنث والألف منقلبة عن واو بدليل عصوان وعصوته أي ضربته بالعصاو يجمع على أفعل شذوذا وعلى فعول قياسا فيقال : أعص وعصى وتتبع حركةالعين حركةالصادو الحجر هو هذا الجسم المعروف وجمعه أحجار وحجار وقالوا : حجارة وأشتقوا منه فقالوا : أستحجر الطين والإشتقاق من الأعيان قليل جدا والمراد بهذه العصا المسئول عنها في قوله تعالى : وما تلك بيمينك يا موسى والمشهور أنها من آس الجنة طولها عشرة أذرع طول موسى عليه السلام لها شعبتان تتقدان في الظلمة توارثها صاغر عن كابر حتى وصلت إلى شعيب ومنه إلى موسى عليهما السلام وقيل : رفعها له ملك في طريق مدين وفي المراد من الحجر خلاف فقال الحسن : لم يكن حجرا معينا بل أي حجر ضربه أنفجر منه الماء وهذا أبلغ في الإعجاز وأبين في القدرة وقال وهب : كان يقرع لهم أقرب حجر فتنفجر وعلى هذا اللام فيه للجنس وقيل : للعهد وهو حجر معين حمله معه من الطور مكعب له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمرت أن تسقيهم وكانوا ستمائة ألف ما عدا دوابهم وسعة المعسكر إثنا عشر ميلا وقيل : حجر كان عند آدم وصل مع العصا إلى شعيب فدفع إلى موسى وقيل : هو الحجر الذي فر بثوبه والقصة معروفة وقيل : حجر أخذ من قعر البحر خفيف يشبه رأس الآدمي كان يضعه في مخلاته فإذا أحتاج للماء ضربه والروايات في ذلك كثيرة وظاهر أكثرها التعارض ولا ينبني على تعيين هذا الحجر أمر ديني والأسلم تفويض علمه إلى الله تعالى
فأنفجرت منه إثنتا عشرة عينا عطف على مقدر أي فضرب فأنفلق ويدل على هذا المحذوف وجود الإنفجار ولو كان ينفجر دون ضرب لما كان للأمر فائدة وبعضهم يسمى هذه الفاء الفصيحة ويقدر شرطا أي فإن ضربت فقد أنفجرت وفي المعنى أن هذا التقدير يقتضي تقدم الإنفجار على الضرب إلا أن يقال : المراد فقد حكمنا بترتب الإنفجار على ضربك وقال بعض المتأخرين : لا حذف بلا لفاء للعطف وإن مقدرة بعدالفاء كما هو القياس بعد الأمر عند قصد السببية والتركيب من قبيل زرني فأكرم كأي أضرب بعصاك الحجر فإن إنفجرت فليكن منك الضرب فالإنفجار ولا يخفى ما في كل

الصفحة 270