كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
حتى قال مولانا مفتي الديار الرومية في الأول إنه غير لائق بجلالة شأن النظم الكريم والثاني أدهى وأمر والإنفجار إنصداع شيء من شيء ومنه الفجر والفجور وجاء هنا إنفجرت وفي الأعراف إنبجست فقيل : هما سواء وقيل : بينهما فرق وهو أن الإنبجاس أول خروج الماء والإنفجار إتساعه وكثرته أو الإنبجاس خروجه من الصلب والآخر خروجه من اللين والظاهر إستعمالها بمعنى واحد وعلى فرض المغايرة لا تعارض لإختلاف الأحوال و من لإبتداء الغاية والضمير عائد على الحجر المضروب وعوده إلى الضرب و من سببية مما لا ينبغي الإقدام عليه والتاء في إثنتا ويقال : ثنتا إلا أن التاء فيها على ما في البحر للألحاق وهذا نظير أنبت ونبت ولامها محذوفة وهي ياء لأنها من ثنيت وقرأ مجاهد وجماعة ورواه السعدي عن أبي عمر وعشرة بكسر الشين وهي لغة بني تميم وقرأ الفضل الأنصاري بفتحها قال إبن عطية : وهي لغة ضعيفة ونص بعض النحاة على الشذوذ ويفهم من بعض المتأخرين إن هذه اللغات في المركب لا في عشرة وحدها وعبارات القوم لا تساعده والعين منبع الماء وجمع على أعين شذوذا وعيون قياسا وقالوا في أشراف الناس : أعيان وجاء ذلك في الباصرة قليلا كما في قوله
أعيانا لها ومآقيا
وهو منصوب على التمييز وإفراده في مثل هذا الموضع لازم وأجاز الفراء أن يكون جمعا وكان هذا العدد دون غيره لكونهم كانوا إثني عشر سبطا وكان بينهم تضاغن وتنافس فأجرى الله تعالى لكل سبط عينا يردها لا يشركه فيها أحد من السبط الآخر دفعا لإثارة الشحناء ويشير إلى حكمة الإنقسام قوله تعالى : قد علم كل أناس مشربهم وهي جملة مستأنفة مفهمة على أن كل سبط منهم قد صار له مشرب يعرفه فلا يتعدى لمشرب غيره و اناس جمع لا واحد له من لفظه وما ذكر من شذوذ إثبات همزته إنما هو مع الألف واللام وأما بدونها فشائع صحيح و علم هنا متعدية لواحد أجريت مجرى عرف ووجد ذلك لكثرة والمشرب إما أسم مكان أي محل الشرب أو مصدر ميمي بمعنى الشرب وحمله بعضهم على المشروب وهو الماء وحمله على المكان أولى عند أبي حيان وإضافة المشرب إليهم لأنه لما تخصص كل مشرب بمن تخصص به صار كأنه ملك لهم وأعاد الضمير في مشربهم على معنى كل ولا يجوز أن يعود على لفظها لأنكل امتى اضيف إلى نكرة وجب مراعاة المعنى كما في قوله تعالى : يوم ندعو كل أناس بإمامهم وقوله : وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفر منها الأنامل ونص على المشرب تنبيها على المنفعة العظيمة التي هي سبب الحياة وإن كان سرد الكلام يقتضي قد علم كل أناس عينه موفي الكلام حذف أي منها لأن قد علم صفةلإثنتا عشرة عينا فلا بد من رابط وإنما وصفها به لأنه معجزة أخرى حيث يحدث مع حدوث الماء جداول يتميز بها مشرب كل من مشرب آخر ويحتمل أن تكون الجملة حالية لا صفة لقوله تعالى : إثنتا عشرة لئلا يحتاج إلى تقدير العائد وليفيد مقارنة العلم بالمشارب للإنفجار والمشرب حينئذ العين كلوا وأشربوا من رزق الله على إرادة القول وبدأ بالأكل لأن قوام الجسد به والإحتياج إلى الشرب حاصل عنه و من لإبتداء الغاية ويحتمل أن تكون للتبعيض وفي ذكر الرزق مضافا تعظيم للمنة وإشارة إلى حصول ذلك لهم من غير تعب ولا تكلف وفي هذا إلتفات إذ تقدم فقلنا أضرب ولو جرى على نظم واحد لقال من رزقنا ولو جعل الإضمار قبل كلوا مسندا إلى موسى أي وقال موسى كلوا وأشربوا لا يكون فيه ذلك والرزق هنا بمعنى المرزوق وهو الظعام المتقدم من المن والسلوى والمشروب من ماء