كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

العيون وقيل : المراد به الماء وحده لأنه يشرب ويؤكل مما ينبت منه ويضعفه أنه لم يكن أكلهم في التيه من زروع ذلك الماء كما يشير إليه قوله تعالى : يخرج مما تنبت الأرض و لن نصبر على طعام واحد ويلزم عليه أيضا الجمع بين الحقيقة والمجاز إذ يؤل إلى كلوا واشربوامن الماء ويكون نسبة الشرب إليه بإرادة ذاته والأكل بإرادة ما هو سبب عنه أو القول بحذف متعلق أحد الفعلين أي كلوا من رزق الله وأشربوا من رزق الله وقول بعض المتأخرين إن رزق الله عبارة عن الماء وفي الآية إشارة إلى إعجاز آخر وهو أن هذا الماء كما يورى العطشان يشبع الجوعان فهو طعام وشراب بعيد غاية البعد وأقرب منه أن لا يكون كلوا واشربوا بتقدير القول من تتمة ما يحكى عنهم بل يجعل أمرا مرتبا على ذكرهم ما وقع وقت الإستقساء على وجه الشكر والتذكير بقدرة الله تعالى فهو أمر المخاطبين بهذه الحكاية بأكلهم وشربهم مما يرزقهم الله تعالى وعدم الإفساد بإضلال الخلق وجمع عرض الدنيا ويكون فصله عما سبق لأنه بيان للشكر المأمور أو نتيجة للمذكور وأحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال لأن أقل درجات هذا الأمر أن يكون للإباحة فأقتضى أن يكون الرزق مباحا فلو وجد رزق حرام لكان الرزق مباحا وحراما وأنه غير جائز والجواب أن الرزق هنا ليس بعام إذا أريد المن والسولى والماء المنفجر من الحجر ولا يلزم من حلية معني ما من أنواع الرزق حلية جميع الرزق وعلى تسليم العموم يلتزم التبعيض ولا تعثوا في الأرض مفسدين 06 لما أمروا بالأكل والشرب من رزق الله تعالى ولم يقيد ذلك عليهم بزمان ولا مكان لا مقدار كان ذلك إنعاما وإحسانا جزيلا إليهم وأستدعى ذلك التبسط في المأكل والمشرب نهاهم عما يكن أن ينشأ عن ذلك وهو الفساد حتى لا يقابلوا تلك النعم بالكفران والعثى عند بعض المحققين مجاوزة الحد مطلقا فسادا كان أولا فهو كالإعتداء ثم غلب في الفساد ومفسدين على هذا حال غير مؤكدة وهو الأصل فيها كما يدل عليه تعريفها وذكر أبو البقاء أن العقي الفساد والحال مؤكدة وفيه أن مجيء الحال المؤكدة بعد الفعلية خلاف مذهب الجمهور وذهب الزمخشري أن معناه أشد الفساد والمعنى لا تتمادوا في الفساد حال إفسادكم والمقصد النهي عما كانوا عليه من التمادي في الفساد وهو من أسلوب لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة وإلا فالفساد أيضا منكر منهي عنه وفيه أنه تكلف مستغنى عنه بما ذكرنا والمراد من الأرض عند الجمهور أرض التيه ويجوز أن يريدها وغيرها مما قدروا أن يصلوا إليها فينالها فسادهم وجوز أن يريد الأرضين كلها و أل لإستغراق الجنس ويكون فسادهم فيها من جهة أن كثرة العصيان والإصرار على المخالفات والبطر يؤذن بإنقطاع الغيث وقحط البلاد ونزع البركات وذلك إنتقام يعم الأرضين هذا ثم إن ظاهر القرآن لا يدل على تكرر هذا الإستقساء ولا الضرب ولا الإنفجار فيحتمل أن يكون ذلك متكررا ويحتمل أن يكون ذلك مرة واحدة والواحدة هي المتحققة والحكايات في هذا الأمر كثيرة وأكثرها لا صحة له وقد أنكر بعض الطبيعيين هذه الواقعة وقال كيف يعقل خروج الماء العظيم الكثير من الحجر الصغير وهذا المنكر مع أنه يتصور قدرة الله تعالى في تغيير الطبائع والإستحالات فقد ترك النظر على طريقتهم إذ قد تقرر عندهم أن حجر المغناطيس يجذب الحديد والحجر الحلاق يحلق الشعر والحجر الباغض للخل ينفر منه وذلك كله من أسرار الطبيعة وإذا لم يكن مثل ذلك منكرا عندهم فليس يمتنع أن يخلق في حجر آخر قوة جذب الماء من تحت الأرض ويكون خلق تلك القوة عند ضرب العصا أو عند أمر موسى عليه السلام على ما ورد أنه كان بعد ذلك يأمره فينفجر ولا ينافيه إنفصاله عن الأرض كما وهم ويحتمل أيضا أن يقلب الله تعالى بواسطة قوة أودعها في الحجرالهواء

الصفحة 272