كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

ماء بإزالة اليبوسة عن أجزائه وخلق الرطوبة فيها والله تعالى على كل شيء قدير وحظ العارف من الآية أن يعرف الروح الإنسانية وصفاتها في عالم القلب بمثابة موسى وقومه وهو مستسقي ربه لإروائها بماء الحكمة والمعرفة وهو مأمور بضرب عصالا إله إلا الله ولها شعبتان من النفي والإثبات تتقدان نورا عند إستيلاء ظلمات النفس وقد حملت من حضرة العزة على حجر القلب الذي هو كالحجارة أو أشد قسوة فأنفجرت منه إثنتا عشرة عينا من مياه الحكمة لأن كلمةلا إله إلا الله إثنتا عشرة حرفا فأنفجر من كل حرف عين قد علم كل سبط من أسباط صفات الإنسان وهي إثنا عشر سبطا من الحواس الظاهرة والباطنة وإثنان من القلب والنفس ولكل واحد منهم مشرب من عين جرت من حرف من حروف الكلمة و قد علم مشربه ومشرب كل واحد حيث ساقه رائده وقاده قائده فمن شرب عذب فرات ومشرب ملح أجاج والنفوس ترد مناهل التقى والطاعات والأرواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات والأسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلى الصفات عن ساقي وسقاهم ربهم شرابا طهورا للإضمحلال في حقيقة الذات كلوا وأشربوا من رزق الله بأمره ورضاه ولا تعثوا في هذا القالب مفسدين بترك الأمر وإختيار الوزر وبيع الدين بالدنيا وإيثار الأولى على العقبى وتقديمهما على المولى وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد الظاهر أنه داخل في تعداد النعم وتفصيلها وهو إجابة سؤالهم بقوله تعالى : أهبطوا إلخ مع إستحقاقهم كمال السخط لأنهم كفروا نعمة إنزال الطعام اللذيذ عليهم وهم في التيه من غير كد وتعب حيث سألوا ب لمن نصبر فإنه يدل على كراهيتم إياه إذ الصبر حبس النفس في المضيق ولذا أنكر عليه بقوله تعالى : أتستبدلون إلخ فالآية في الأسلوب مثل قوله تعالى : وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك إلخ حيث عاندوا بعد سماع الكلام وأهلكوا ثم أفاض عليهم نعمة الحياة قال مولانا الساليكوتي ومن هذا ظهر ضعف ما قال الإمام الرازي لو كان سؤالهم معصية لما أجابهم لأن الإجابة إلى المعصية معصية وهي غير جائزة على الأنبياء وإن قوله تعالى : كلوا واشربوا أمر إباحة لا إيجاب فلا يكون سؤالهم غير ذلك الطعام معصية ووصف الطعام بواحد وإن كانا طعامين المن والسلوى اللذين رزقوهما في التيه إما بإعتبار كونه على نهج واحد كما يقال : طعام مائدة الأمير واحد ولو كان ألوانا شتىبمعنى أنه لا يتبدل ولا يختلف بحسب الأوقات أو بإعتبار كونه ضربا واحدا لأن المن والسلوى من طعام أهل التلذذ والسرف وكأن القوم كانوا فلاحة فما أرادوا إلا ما ألفوه وقيل : إنهم كانوا يطبخونهما معا فيصير طعاما واحدا والقول بأن هذا القول كان قبل نزول السلوى نازل من القول وأهون منه القول بأنهم أرادوا بالطعام الواحد السلوى لأن المن كان شرابا أو شيئا يتحلون به فلم يعدوه طعاما آخر وإلا نزل القول بأنه عبر بالواحد عن الإثنين كما عبر بالإثنين عن الواحد في نحو يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح دون العذب فأدع لنا ربك أي سله لأجلنا بدعائك إياه بأن يخرج لنا كذا وكذا والفاء لسببية عدم الصبر للدعاء ولغة بني عامر فأدع بكسر العين جعلوا دعا من ذوات الياء كرمي وإنما سألوا من موسى أن يدعو لهم لأن دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أقرب للإجابة من دعاء غيرهم على أن دعاء الغير للغير مطلقا أقرب إليها فما ظنك بدعاء الأنبياء لأممهم ولهذا قال

الصفحة 273