كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
فإن قلت كونهم لا يصبرون على طعام واحد أفهم طلب ضم ذلك إليه لا إستبداله به أجيب بأن قولهم : لن نصبر يدل على كراهتم ذلك الطعام وعدم الشكر على النعمة دليل الزوال فكأنهم طلبوا زوالها ومجيء غيرها وقيل : إنهم طلبوا ذلك وخطابهم بهذا إشارة إلى أنه تعالى إذا أعطاهم ما سألوا منع عنهم المن والسلوى فلا يجتمعان وقيل : الإستبدال في المعدة وهو كما ترى وقرأ أبي أتبدلون وهو مجاز لأن التبديل ليس لهم إنما ذلك إلى الله تعالى لكنهم لما كانوا يحصل التبديل بسؤالهم جعلوا مبدلين وكان المعنى أتسألون تبديل الذي إلخ و الذي مفعول تستبدلون وهو الحاصل و الذي دخلت عليه الباء هو الزائل وهو أدنى صلة الذي وهو هنا واجب الإثبات عند البصريين إذ لا طول و أدنى إما من الدنو أو مقلوب من الدون وهو على الثاني ظاهر وعلى الأول مجاز أستعير فيه الدنو بمعنى القرب المكاني للخسة كما أستعير البعد للشرف فقيل : بعيد المحل بعيد الهمة ويحتمل أن يكون مهموزا من الدناءة وأبدلت فيه الهمزة ألفا ويؤيده قراءة زهير والكسائي أدنا بالهمزة وأريد بالذي هو خير المن والسلوى ومعنى خيرية هذا المأكول بالنسبة إلى ذلك غلاء قيمته وطيب لذته والنفع الجليل في تناوله وعدم الكلفة في تحصيله وخلوه عن الشبهة في حله أهبطوا مصرا جملة محكية بالقول كالأولى وإنما لم يعطف إحداهما على الأخرى في المحكى لأن الأولى خبر معنى وهذه ليست كذلك ولكونها كالمبينة لها فإن الإهباط طريق الإستبدال هذا إذا جعل الجملتان من كلام الله تعالى أو كلام موسى وإن جعل إحداهما من موسى والأخرى من الله تعالى فوجه الفصل ظاهر والوقف على خبر كاف على الأول وتام على الثاني والهبوط يجوزان يكون مكانيا بأن يكون التيه أرفع من المصر وأن يكون رتبيا وهو الأنسب بالمقام وقريء أهبطوا بضم الهمزة والباء والمصرالبلد العظيم وأصله الحد والحاجز بين الشيئين قال : وجاعل الشمس مصرا لإخفاء به بين النهار وبين الليل قد فصلا وإطلاقه على البلد لأنه ممصور أي محدود وأخذه من مصرت الشاة أمصرها إذا حلبت كل شيء في ضرعها بعيد وحكى عن أشهب أنه قال : قال لي مالك : هي مصر قريتك مسكن فرعون فهو إذا علم وأسماء المواضع قد تعتبر من حيث المكانية فتذكر وقد تعتبر من حيث الأرضية فتؤنث فهو إن جعل علما فأما بإعتبار كونه بلدة فالصرف مع العلمية والتأنيث لسكون الوسط وإما بإعتبار كونه بلدا فالصرف على بابه إذ الفرعية الواحدة لا تكفي في منعه ويؤيد ما قاله الإمام مالك رضي الله تعالى عنه أنه في مصحف إبن مسعود مصر بلا ألف بعد الراء ويبعده أن الظاهر من التنوين التنكير وأن قوله تعالى : أدخلوا الأرض المقدسة يعني الشام التي كتب الله تعالى لكم للوجوب كما يدل عليه عطف النهي وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى وأن يكون الأمر بالهبوط مقصورا على بلاد التيه وهو ما بين بيت المقدس إلى قنسرين ومن اناس من جعل مصر معرب مصرائيم كإسرائيل أسم لأحد أولاد نوح عليه السلام وهو أول من أختطها فسميت بأسمه وإنما جاز الصرف حينئذ لعدم الإعتداد بالعجمة لوجود التعريب والتصرف فيه فأفهم وتدبر
فإن لكم ما سألتم تعليل للأمر بالهبوط وفي البحر أنها جواب للأمروكما يجاب بالفعل يجاب بالجملة وفي ذلك محذوفان ما يربط الجملة بما قبلها والضمير العائد على ما والتقدير فإن لكم فيها ما سألتموه