كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

سواء كان حقا عند القاتل أو لا إلا أن الإقتصار على القتل بغير الحق عندهم أنسب للتعريض بما هم فيه على ما قيل والقول : بأنه يمكن أن يقال لو لم يقيد بغير الحق لأفاد أن من خواص النبوة أنه لو قتل أحدا بغير الحق لا يقتص ففائدة التقييد أن يكون النظم مفيدا لما هو الحكم الشرعي بعيد كما لا يخفى قال بعض المتأخرين : هذا كله إذا كان الغير بمعنى النفي أي بلاحق أما إذا كان معناه أي بسبب أمر مغاير للحق أي الباطل فالتقييد مفيد لأن قتتلهم النبيين بسبب الباطل وحمايته وقريب من هذا ما قاله القفال : من إنهم كانوا يقولون : إنهم كاذبون وأن معجزاتهم تمويهات ويقتلونهم بهذا السبب وبأنهم يريدون إبطال ما هم عليه من الحق بزعمهم ولعل ذلك غالب أحوالهم وإلا فشعياء ويحيى وزكريا عليهم السلام لم يقتلوا لذلك وإنما قتل شعياء لأن ملكا من بني إسرائيل لما مات مرج أمر بني إسرائيل وتنافسوا الملك وقتل بعضهم بعضا فنهاهم عليه السلام فبغوا عليه وقتلوه ويحيى عليه السلام إنما قتل لقصة تلك الأمرأة لعنها الله تعالى وكذلك زكريا لأنه لما قتل إبنه إنطلق هاربا فأرسل الملك في طلبه غضبا لما حصل لأمرأته من قتل إبنه فوجد في جوف شجرة ففلقوا الشجر معه فلقتين طولا بمنشار ثم الظاهر أن الجار والمجرور مما تنازع فيه الكفر والقتل وفي البحر أنه متعلق بما عنده وزعم بعض الملحدين أن بين هذه الآية وما أشبهها وقوله تعالى : إنا لننصر رسلنا تناقضا وأجيب بأن المقتولين من الأنبياء والموعود بنصرهم الرسل ورد بأن قوله تعالى : أفكلما جاءكم رسول إلى قوله سبحانه : فريقا كذبتم وفريقا تقتلون يدل على أن المقتول رسل أيضا وأجاب بعضهم بأن المراد النصرة بغلبه الحجة أو الأخذ بالثأر كما روى عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى قدر أن يقتل بكل نبي سبعين ألفا وبكل خليفة خمسا وثلاثين ألفا ولا يخفى ما فيه فالأحسن أن المراد بالرسل المأمورون بالقتال كما أجاب به بعض المحققين لأن أمرهم بالقتال وعدم عصمتهم لا يليق بحكمة العزيز الحكيم وقرأ علي رضي الله تعالى عنه : يقتلون بالتشديد والحسن في رواية عنه وتقتلون بالتاء فيكون ذلك من الإلتفات وقرأ نافع بهمز النبيين وكذا النبي والنبوة وأستشكل بما روى أن رجلا قال للنبي يانبي الله بالهمز فقال لست بنبيء الله يعني مهموزا ولكن نبي الله بغير همزة فأنكر عليه ذلك ولهذا منع بعضهم من إطلاقه عليه عليه الصلاة و السلام على أنه أستشكل أيضا جمع النبي على نبيين وهو فعيل بمعنى مفعول وقد صرحوا بأنه لا يجمع جمع مذكر سالم وأجيب عن الأول بأن أبا زيد حكى نبأت من الأرض إذا خرجت منها فمنع لوهم أن معناه ياطريد الله تعالى فنهاه عن ذلك لإيهامه ولا يلزم من صحة إستعمال الله تعالى له في حق نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم الذي برأه من كل نقص جوازه من البشر وقيل : إن النهي كان خاصا في صدر الإسلام حيث دسائس اليهود كانت فاشية وهذا كما نهى عن قول راعنا إلى قول أنظرنا وعن الثاني بأنه ليس بمتفق عليه إذ قيل : إنه بمعنى فاعل ولو سلم فقد خرج عن معناه الأصلي ولم يلاحظ فيه هذا إذ يطلقه عليه من لا يعرف ذلك فصح جمعه بإعتبار المعنى الغالب عليه فتدبر
ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون 16 إشارة إلى الكفر والقتل الواقعين سببا لما تقدم وجازت الإشارة بالمفرد إلى متعدد للتأويل بالمذكور ونحوه مما هو مفرد لفظا متعدد معنى وقد يجري مثل ذلك في الضمير حملا عليه والباء للسببية وما بعدها سبب للسبب والمعنى إن الذي حملهم على الكفر بآيات الله تعالى وقتلهم الأنبياء إنما هو تقدم عصيانهم وإعتدائهم ومجاوزتهم الحدود والذنب يجر الذنب وأكد الأول لانه مظنة الإستبعاد بخلاف مطلق العصيان وقيل : الباء بمعنى مع وقيل : الإشارة بذلك إلى ما أشير إليه بالأول وترك العاطف للدلالة

الصفحة 277