كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

على أن كل واحد منهما مستقل في إستحقاق الضرب فيكف إذا إجتمعا وضعف هذا الوجه بأن التكرار خلاف الأصل مع فوات معنى لطيف حصل بالأول وسابقه بأنه لا يظهر حينئذ لا يراد كلمة ذلك فائدة إذ الظاهر بما عصوا إلخ ويفوت أيضا ما يفوت وحظ العارف من هذه الآيات الإعتبار بحال هؤلاء الذين لم يرضوا بالقضاء ولم يشكروا على النعماء ولم يصبروا على البلواء كيف ضرب عليهم ذل الطغيان قبل وجود الأكوان وقهرهم بلطمة المسكنة في بيداء الخذلان وألبس قلوبهم حب الدنيا وأهبطهم من الدرجة العليا
ومن باب الإشارة الطعام الواحد هو الغذاء الروحاني من الحكمة والمعرفة وما تنبته الأرض هو الشهوات الخبيثة واللذات الخسيسة والتفكهات الباردة الناشئة من أرض النفوس المبتذلة في مصر البدن الموجبة للذلة لمن ذاقها والمسكنة لمن لاكها والهلاك لمن إبتلعها وسبب طلب ذلك الإحتجاب عن آيات الله تعالى وتجلياته وتسويد القلوب بدرن الذنوب وقطع وريدها واردها والذي يجر إلى هذا الغفلة عن المحبوب والإعتياض بالأغيار عن ذلك المطلوب نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية إن الذين آمنوا لما أنجر الكلام إلى ذكر وعيد أهل الكتاب قرن به ما يتضمن الوعد جريا على عادته سبحانه من ذكر الترغيب والترهيب وبهذا يتضح وجه توسيط هذه الآية وما قبلها بين تعداد النعم وفي المراد ب الذين آمنوا هنا أقوال والمروى عن سفيان الثوري أنهم المؤمنون بألسنتهم وهم المنافقون بدليل إنتظامهم في سلك الكفرة والتعبير عنهم بذلك دون عنوان النفاق للتصريح بأن تلك المرتبة وإن عبر عنها بالإيمان لا تجديهم نفا ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعا وعن السدي أنهم الحنيفيون ممن لم يلحق الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم كزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل ومن لحقه كأبي ذر وبحيري ووفد النجاشي الذين كانوا ينتظرون البعثة وعن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم المؤمنون بعيسى قبل أن يبعث الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وروى السدي عن أشياخه أنهم المؤمنون بموسى إلى أن جاء عيسى عليهما السلام فآمنوا به وقيل : إنهم أصحاب سلمان الذين قص حديثهم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له : هم في النار فأظلمت الأرض عليه كما روى مجاهد عنه فنزلت عند ذلك الآية إلى يحزنون قال سلمان : فكأنما كشف عني جبل وقيل : إنهم المتدينون بدين محمد صلى الله تعالى عليه وسلم مخلصين أو منافقين وأختاره القاضي وكان سبب الإختلاف قوله تعالى فيما بعد : من آمن إلخ فإن ذلك يقتضي أن يكون المراد من أحدهما غير المراد من الآخر وأقل الأقوال مؤنة أولها الذين هادوا أي تهودوا يقال هاد وتهود إذا دخل في اليهودية ويهود إما عربي من هاد إذا تاب سموا بذلك لما تابوا من عبادة البخل ووجه التخصيص كون توبتهم أشق الأعمال كما مر : وإما معرب يهوذا بذال معجمة وألف مقصورة كأنهم سموا بأكبر أولاد يعقوب عليه السلام وقريء هادوا بفتح الدال أي مال بعضهم إلى بعض والنصارى جمع نصران بمعنى نصراني وورد ذلك في كلام العرب وإن أنكره البعض كقوله : تراه إذا دار العشى محنفا ويضحى لديه وهو نصران شامس ويقال في المؤنث نصران كندمان وندمانة قاله سيبويه وأنشدكما سجدت نصرانة لم تحنف
والياء في نصراني عنده للمبالغة كما يقال للأحمر أحمري إشارة إلى أنه عريق في وصفه وقيل : إنها للفرق بين الواحد والجمع كزنج وزنجي وروم ورومي وقيل : النصارى جمع نصرى كمهرى ومهاري حذفت إحدى ياءيه وقلبت الكسر فتحة للتخفيف فقلبت الياء ألفا وإلى ذلك ذهب الخليل وهو أسم لأصحاب عيسى عليه السلام وسموا بذلك لأتهم

الصفحة 278