كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

نصروه أو لنصر بعضهم لبعض وقيل : إن عيسى عليه السلام ولد في بيت لحم بالقدس ثم سارت به أمه إلى مصر ولما بلغ إثني عشر سنة عادت به إلى الشام وأقامت بقرية ناصرة وقيل : نصرايا وقيل : نصرى وقيل : نصرانة وقيل : نصران وعليه الجوهري فسمى من معه بأسمها أو أخذ لهم أسم منها والصابئين هم قوم مدار مذاهبهم على التعصب للروحانيين وإتخاذهم وسائط ولما لم يتيسر لهم التقرب إليها بأعيانها والتلقي منها بذواتها فزعت جماعة منهم إلى هياكلها فصابئة الروم مفزعها السيارات وصابئة الهند مفزعها الثوابت وجماعة نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن أحد شيئا فالفرقة الأولى هم عبدة الكواكب والثانية هم عبدة الأصنام وكل من هاتين الفرقتين أصناف شتى مختلفون في الإعتقادات والتعبدات والإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يقول : إنهم ليسوا بعبدة أوثان وإنما يعظمون النجوم كما تعظم الكعبة وقيل : هم قوم موحدون يعتقدون تأثير النجوم ويقرون ببعض الأنبياء كيحيى عليه السلام وقيل : إنهم يقرون بالله تعالى ويقرؤن الزبور ويعبدون الملائكة ويصلون إلى الكعبة وقيل : إلى مهب الجنوب وقد أخذوا من كل دين شيئا وفي جواز مناكحتهم وأكل ذبائحهم كلام للفقهاء يطلب في محله وأختلف في اللفظ فقيل غير عربي وقيل عربي من صبأ بالهمز إذا خرج أو من صبا معتلا بمعنى مال لخروجهم عن الدين الحق وميلهم إلى الباطل وقرأ نافع وحده بالياء وذلك إما على الأصل أو الإبدال للتخفيف
من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا أي أحدث من هذه الطوائف إيمانا بالله تعالى وصفاته وأفعاله والنبوات وبالنشأة الثانية على الوجه اللائق وأتى بعمل صالح حسبما يقتضيه الإيمان بما ذكر وهذا مبني على أول الأقوال والقائلون بآخرها منهم من فسر الآية بمن أتصف من أولئك بالإيمان الخالص بالمبدأ والمعاد على الإطلاق سواء كان ذلك بطريق الثبات والدوام عليه كإيمان المخلصين أو بطريق إحداثه وإنشائه كإيمان من عداهم من المنافقين وسائر الطوائف وفائدة التعميم للمخلصين مزيد ترغيب الباقين في الإيمان ببيان أن تأخرهم في الإتصاف به غير مخل بكونهم أسوة لأولئك الأقدمين ومنهم من فسرها بمن كان منهم في دينه قبل أن ينسخ مصدقا بقلبه بالمبدأ والمعاد عاملا بمقتضى شرعه فيعم الحكم المخلصين من أمة صلى الله تعالى عليه وسلم والمنافقين الذين تابوا واليهود والنصارى الذين ماتوا قبل التحريف والنسخ والصابئين الذين ماتوا زمن إستقامة أمرهم إن قيل : إن لهم دينا وكذا يعم اليهود والصابئين الذين آمنوا بعيسى عليه السلام وماتوا في زمنه وكذا من آمن من هؤلاء الفرق بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وفائدة ذكر الذين آمنوا على هذا مع أن الوعيد السابق كان في اليهود لتسكين حمية اليهود بتسوية المؤمنين بهم في أن كون كل في دينه قبل النسخ يوجب الأجر وبعده يوجب الحرمان كما أن ذكر الصابئين للتنبيه على أنهم مع كونهم أبين المذكورين ضلالا يتاب عليهم إذا صح منهم الإيمان والعمل الصالح فغيرهم بالطريق الأولى وإنفهام قبل النسخ من وعمل صالحا إذ لا صلاح في العمل بعده وهذا هو الموافق لسبب النزول لا سيما على رواية أن سلمان رضي الله تعالى عنه ذكر للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم حسن حال الرهبان الذين صحبهم فقال : ماتوا وهم في النار فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال عليه الصلاة و السلام : من مات على دين عيسى عليه السلام قبل أن يسمع بي فهو على خير ومن سمع ولم يؤمن بي فقد هلك
والمناسب لعموم اللفظ وعدم صرفه إلى تخصيص الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى بالكفرة منهم

الصفحة 279