كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

وتخصيص من آمن إلخ بالدخول في ملة الإسلام إلا أنه يرد عليه أنه مستلزم أن يكون للصابئين دين وقد ذكر غير واحد أنه ليس لهم دين تجوز رعايته في وقت من الأوقات ففي الملل والنحل أن الصورة في مقابلة الحنيفية ولميل هؤلاء عن سنن الحق وزيغهم عن نهج الأنبياء قيل لهم : الصابئة ولو سلم أنه كان لهم دين سماوي ثم خرجوا عنه فمن مضى من أهل ذلك الدين قبل خروجهم منه ليسوا من الصابئين فكيف يمكن إرجاع الضمير الرابط بين أسم إن وخبرها إليهم على القول المشهور وإرتكاب إرجاعه إلى المجموع من حيث هو مجموع قصدا إلى إدراج الفريق المذكور فيهم ضرورة أن من كان من أهل الكتاب عاملا بمقتضى شرعه قبل نسخه من مجموع أولئك الطوائف بحكم إشتماله على اليهود والنصارى وإن لم يكن من الصابئين مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عنه ! على أن فيه بعد ما لا يخفى فتدبر و من مبتدأ وجوزوا فيها أن تكون موصولة والخبر جملة قوله تعالى : فلهم أجرهم عند ربهم ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط كما في قوله تعالى : إن الذين فتنوا الآية وأن تكون شرطية وفي خبرها خلافهل الشرط أو الجزاء أو هما وجملة من آمن إلخ خبر إن فإن كانت من موصولة وهو الشائع هنا أحتيج إلى تقدير منهم عائدا وإن كانت شرطية لم يحتج إلى تقديره إذ العموم يغني عنه كأنه قيل : هؤلاء وغيرهم إذا آمنوا فلهم إلخ على ما قالوا في قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا وجوز بعضهم أن تكون من بدلا منأسم إن وخبرها فلهم أجرهم وأختار أبو حيان أنها بدل من المعاطيف التي بعد أسم إن فيصح إذ ذاك المعنى وكأنه قيل : إن الذين آمنوا من غير الأصناف الثلاثة ومن آمن من الأصناف الثلاثة فلهم إلخ وقد حملت الضمائر الثلاثة بإعتبار معنى الموصول كما أن إفراد ما في الصلة بإعتبار لفظه وفي البحر إن هذين الحملين لا يتمان إلا بإعراب من مبتدأ وأما على إعرابها بدلا فليس فيها إلا حمل على اللفظ فقط فأفهم
ثم المراد من الأجرالثواب الذي وعدوه على الإيمان والعمل الصالح فإضافته إليهم وإختصاصه بهم بمجرد الوعد لا بالإستيجاب كما زعمه الزمخشري رعاية للإعتزال لكن تسميته أجر العدم التخلف ويؤيد ذلك قوله تعالى : عند ربهم المشير إلى أنه لا يضيع لأنه عند لطيف حفيظ وهو متعلق بما تعلق به لهم ويحتمل أن يكون حالا من أجرهم
ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون 26 عطف على جملة فأفهم أجرهم وقد تقدم الكلام على مثلها في آخر قصة آدم عليه السلام فأغنى عن الإعادة هنا وإذ أخذنا ميثاقكم تذكير بنعمة أخرى لأنه سبحانه إنما فعل ذلك لمصلحتهم والظاهر من الميثاق هنا العهد ولم يقل : مواثيقكم لآن ما أخذ على كل واحد منهم أخذ على غيره فكان ميثاقا واحداولعله كان بالإنقياد لموسى عليه السلام وأختلف في أنه متى كان فقيل : قبل رفع الطور ثم لما نقضوه رفع فوقهم لظاهر قوله تعالى : ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم إلخ وقيل : كان معه ورفعنا فوقكم الطورالواو للعطف وقيل : للحال و الطور قيل : جبل من الجبال وهو سرياني معرب وقيل : الجبل المعين وعن أبي حاتم عن إبن عباس أن موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة وما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم وأبوا قبولها فأمر جبريل بقلع الطور فظلله فوقهم حتى قبلوا وكان على قدر عسكرهم فرسخا في فرسخ ورفع فوقهم قدر قامة الرجل وأستشكل بأن هذا يجري مجرى الألجاء

الصفحة 280