كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

أؤ مل أن أعيش وأن يومي بأول أو بأهون أو جبار أو التالي دبار فإن أفته فمونس أو عروبة أو شبار وأستدل بهذه الآية على تحريم الحيل في الأمور التي لم تشرع كالربا وإلى ذلك ذهب الإمام مالك فلا تجوز عنده بحال قال الكواشي : وجوزها أكثرهم ما لم يكن فيها إبطال حق أو إحقاق باطل وأجابوا عن التمسك بالآية فأنها ليست حيلة وإنما هي عين المنهي عنه لأنهم إنما نهوا عن أخذها ولا يخفى ما في هذا الجواب وتحقيقه في كتب الفقه فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين 56 القردة جمع قرد وهو معروف ويجمع فعل الأسم قياسا على فعول وقليلا على فعلة والخسورالصغار والذلة ويكون متعديا ولازما ومنه قولهم للكلب : أخسأ وقيل : الخسوء والخساء مصدر خسأ الكلب بعد وبعضهم ذكر الطرد عند تفسير الخسوء كالأبعاد فقيل : هو لإستيفاء معناه لا لبيان المراد وإلا لكان الخاسيء بمعنى الطارد والتحقيق أنه معتبر في المفهوم إلا أنه بالمعنى المبني للمفعول وكذلك الأبعاد فالخاسيء الصاغر المبعد المطرود وظاهر القرآن أنهم مسخوا قردة على الحقيقة وعلى ذلك جمهور المفسرين وهو الصحيح وذكر غير واحد منهم أنهم بعد أن مسخوا لم يأكلوا ولم يشربوا ولم يتناسلوا ولم يعيشوا أكثر من ثلاثة أيام وزعم مقاتل أنهم عاشوا سبعة أيام وماتوا في اليوم الثامن وأختار أبو بكر بن العربي أنهم عاشواوأن القردة الموجودين اليوم من نسلهم ويرده ما رواه مسلم عن إبن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لمن سأله عن القردة والخنازير أهي مما مسخ إن الله تعالى لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك وروى إبن جرير عن مجاهد أنه ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فلا تقبل وعظا ولا تعي زجرا فيكون المقصود من الآية تشبيههم بالقردة كقوله : إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا و كونوا على الأول ليس بأمر حقيقة لأن صيرورتهم إلى ما ذكر ليس فيه تكسب لهم لأنهم ليسوا قادرين على قلب أعيانهم بل المراد منه سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراد من غير إمتناع ولا لبث
وعلى الثاني يكون الأمر مجازا عن التخلية والترك والخذلان كما في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : أصنع ما شئت وقد قرره العلامة في تفسير قوله تعالى : ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا والمنصوبان خبران للفعل الناقص ويجوز أن يكون خاسئين حالا من الأسم ويجوز أن يكون صفة ل قردة والمراد وصفهم بالصغار عند الله تعالى دفعا لتوهم أن يجعل مسخهم وتعجيل عذابهم في الدنيا لدفع ذنوبهم ورفع درجاتهم
وأعترض أنه لو كان صفة لها لوجب ان يقول : خاسئة لإمتناع الجمع بالواو والنون في غير ذوي العلم وأجيب بأن ذلك على تشبيههم بالعقلاء كما في ساجدين أو بإعتبار أنهم كانوا عقلاء او بأن المسخ إنما كان بتبدل الصورة فقط وحقيقتهم سالمة على ما روى أن الواحد منهم كان يأتيه الشخص من أقاربه الذين نهوهم فيقول له : ألم أنهك فيقول : بلى ثم تسيل دموعه على خدهولم يتعرض في الآية بمسخ شيء منهم خنازير وروى عن قتادة أن الشباب صاروا قردة والشيوخ صاروا خنازير وما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم وقريء قردة بفتح القاف وكسر الراءو خاسئين بغير همز فجعلناها نكالا أي كينونتهم

الصفحة 283