كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

وصيرورتهم قردة أو المسخة أو العقوبة أو الآية المدلول عليها بقوله تعالى : ولقد علمتم وقيل : الضمير للقرية وقيل : للحيتان والنكال واحدا لأن القيود ونكل بهفعل به ما يعتبر به غيره فيمتنع عن مثله لما بين يديها وما خلفها أي لمعاصريهم ومن خلفهم وهو المروي عن إبن عباس رضي الله تعالى عنه وغيره وروى عنه أيضا لما بحضرتها من القرى أي أهلها وما تباعد عنها أو للآتين والماضين وهو المختار عند جماعة فكل من ظرفي المكان مستعار للزمان و ما أقيمت مقام من إما تحقيرا لهم في مقام العظمة والكبرياء أو لإعتبار الوصف فإن ما يعبر بها عن العقلاء تعظيما إذا أريد الوصف كقوله : سبحان ما سخركن وصح كونها نكالا للماضين أنها ذكرت في زبر الأولين فأعتبروا بها وصحت الفاء لأن جعل ذلك نكالا للفريقين إنما يتحقق بعد القول والمسخ أو لأن الفاءإنما تدل على ترتب جعل العقوبة نكالا على القول وتسببه عنه سواء كان على نفسه أو على الأخبار به فلا ينافي حصول الإعتبار قبل وقوع هذه الواقعة بسبب سماع هذه القصة وقيل : اللام لام الأجل و ما على حقيقتها والنكال بمعنى العقوبة لا العبرة والمراد بما بين يديها ما تقدم من سائر الذنوب قبل أخذ السمك و ب ما خلفها ما بعدها والقول بأن المراد جعلنا المسخ عقوبة لأجل ذنوبهم المتقدمة على المسخة والمتأخرة عنها يستدعي بقاءهم مكلفين بعد المسخ ولا يظهر ذلك إلا على قول مجاهد وحمل الذنوب التي بعد المسخة على السيآت الباقية آثارها ليس بشيء كما لا يخفى وقول أبي العالية إن المراد ب ما بين يديها ما مضى من الذنوب و ب ما خلفها من يأتي بعد والمعنى فجعلناها عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لمن بعدهم منحط من القول جدا لمزيد ما فيه من تفكيك النظم والتكلف وموعظة للمتقين 66 الموعظة ما يذكر مما يلين القلب ثوابا كان أو عقابا والمراد ب المتقين ما يعم كل متق من كل أمة وإليه ذهب إبن عباس رضي الله تعالى عنهما وقيل : من أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وقيل : منهم ويحتمل أنهم أتعظوا بذلك وخافوا إرتكاب خلاف ما أمروا به ويحتمل أنهم وعظ بعضهم بعضا بهذه الواقعة وحظ العارف من هذه القصة أن يعرف أن الله سبحانه وتعالى خلق الناس لعبادته وجعلهم بحيث لو أهملوا وتركوا وخلوا بينهم وبين طباعهم لتوغلوا وأنهمكوا في اللذات الجسمانية والغواشي الظلمانية لضروراتهم لها وإعتيادهم من الطفولية عليها والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم فوضع الله تعالى العبادات وفرض عليهم تكرارها في الأوقات المعينة ليزول عنهم بها درن الطباع المتراكم في أوقات الغفلات وظلمة الشواغل العارضة في أزمنة إرتكاب الشهوات وجعل يوما من أيام الأسبوع مخصوصا للإجتماع على العبادة وإزالة وحشة التفرقة ودفع ظلمة الإشتغال بالأمور الدنيوية فوضع السبت لليهود لأن عالم الحس الذي إليه دعوة اليهود هو آخر العوالم والسبت آخر الأسبوع والأحد للنصارى لأن عالم العقل الذي إليه دعوتهم أول العوالم ويوم الأحد أول الاسبوع والجمعة للمسلمين لأنه يوم الجمعوالختمفه أوفق بهم وأليق بحاله مفمن لم يراع هذه الأوضاع والمراقبات أصلازال نور إستعداده وطفيء مصباح فؤاده ومسخ كما مسخ أصحاب السبت ومن غلب عليه وصف من أوصاف الحيوانات ورسخ فيه بحيث أزال إستعداده وتمكن في طباعه وصار صورة ذاتية له كالماء الذي منبعه معدن الكبريت مثلا أطلق عليه أسم

الصفحة 284