كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

ذلك الحيوان حتى كأن صار رطبا طباعه طباعه ونفسه نفسه فليجهد المرء على حفظ إنسانيته وتدبير صحته بشراب الأدوية الشرعية والمعاجين الحكميةو ليحث نفسه بالمواعظ الوعدية والوعيدية هي النفس إن تهمل تلازم خساسة وإن تنبعث نحو الفضائل تلهج وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة بيان نوع من مساويهم من غير تعديد النعم وصح العطف لأن ذكر النعم سابقا كان مشتملا على ذكر المساوي أيضا من المخالفة للأنبياء والتكذيب لهم وغير ذلك وقد يقال : هو على نمط ما تقدم لأن الذبح نعمة دنيوية لرفعة التشاجر بين الفريقين وأخروية لكونه معجزة لموسى عليه السلام وكأن مولانا الإمام الرازي خفى عليه ذلك فقال : إنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولا ختم ذلك بشرح بعض ما وجه إليهم من التشديدات وجعل النوع الثاني ما أشارت إليه هذه الآية وليس بالبعيد وأول القصة قوله تعالى : وإذ قتلتم نفسا فأدارأتم فيها إلخ وكان الظاهر أن يقال قال موسى إذ قتل قتيل تنوزع في قاتله إن الله يأمر بذبح بقرة هي كذا وكذا وأن يضرب ببعضها ذلك القتيل ويخبر بقاتله فيكون كيت وكيت إلا أنه فك بعضها وقدم لإستقلاله بنوع من مساويهم التي قصد نعيها عليهم وهو الإستهزاء بالأمر والإستقصاء في السؤال وترك المصارعة إلى الإمتثال ولو أجرى على النظم لكانت قصة واحدة ولذهبت تثنية التقريع وقد وقع في النظم من فك التركيب والترتيب ما يضاهيه في بعض القصص وهو من المقلوب المقبول لتضمنه نكتا وفوائد وقيل : إنه يجوز أن يكون ترتيب نزولها على موسى عليه السلام على حسب تلاوتها بأن يأمرهم الله تعالى بذبح البقرةثم يقع القتل فيؤمروا بضرب بعضها لكن المشهور خلافه والقصة أنه عمد إخوان من بني إسرائيل إلى إبن عم لهما أخي أبيهما فقتلاه ليرثا ماله وطرحاه على باب محلهم ثم جاءا يطلبان بدمه فأمر الله تعالى بذبح بقرة وضربه ببعضها ليحيا ويخبر بقاتله وقيل : كان القاتل أخا القتيل وقيل : إبن أخيه ولا وارث له غيره فلما طال عليه عمره قتله ليرثه وقيل : إنه كانتحت رجل يقال له عامي لبنت عم لا مثل لها في بني إسرائيل في الحسن والجمال فقتله ذو قرابة له لينكحها فكان ما كان وقرأ الجمهوريأمركم بضم الراء وعن أبي عمرو السكون والإختلاس وإبدال الهمزة ألفا و أن تذبحوا في موضع المفعول الثاني ليأمر وهو على إسقاط حرف الجرأي بأن تذبحوا قالوا أتتخذنا هزوا إستئناف وقع جوابا عما ينساق إليه الكلام كأنه قيل : فماذا صنعوا هل سارعوا إلى الإمتثال أم لا فأجيب بذلك والإتخاذ كالتصير والجعل يتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر و هزوا مفعوله الثاني ولكونه مصدرا لا يصلح أن يكون مفعولا ثانيا لأنه خبر المبتدأ في الحقيقة وهو أسم ذات هنا فيقدر مضافكم كان أو أهلأو يجعل بمعنى المهزوء به كقوله تعالى : أحل لكم صيد البحر أي مصيده أو يجعل الذات نفس المعنى مبالغة كرجل عدل وقد قالوا ذلك إما بعد أن أمرهم موسى عليه السلام بذبح بقرة دون ذكر الأحياء بضربها إما بعد أن أمرهم وذكر لهم إستبعادا لما قاله وإستخفافا به كما يدل عليه الإستفهام إذ المعنى أتسخر بنا فإن جوابك لا يطابق سؤالنا ولا يليق وأين ما نحن فيه مما أنت آمر به ولا يأبى ذلك إنقيادهم له لأنه بعد العلم بأنه جد وعزيمة ومن هنا قال بعضهم : إن إجابتهم نبيهم حين أخبرهم عن أمر الله تعالى بأن يذبحوا بقرة بذلك دليل على سوء إعتقادهم بنبيهم وتكذيبهم له

الصفحة 285