كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
إذ لو علموا أن ذلك إخبار صحيح عن الله تعالى لما أستفهموا هذا الإستفهام ولا كانوا أجابوا هذا الجواب فهم قد كفروا بموسى عليه السلام ومن الناس من قال : كانوا مؤمنين مصدقين ولكن جرى هذا على نحو ما هم عليه من غلظ الطبع والجفاء والمعصية والعذر لهم أنهم لما طلبوا من موسى عليه السلام تعيين القاتل فقال ما قال ورأوا ما بين السؤال والجواب توهموا أنه عليه السلام داعبهم أو ظنوا أن ذلك يجري مجرى الإستهزاء فأجابوا بما أجابوا وقيل : أستفهموا على سبيل الإسترشاد لا على وجه الإنكار والعناد وقرأ عاصم وإبن محيصن يتخذنا بالياء على أن الضمير لله تعالى وقرأ حمزة وإسماعيل عن نافع هزأ بالإسكان وحفص عن عاصم بالضم وقلب الهمزة واوا والباقون بالضم والهمزة والكل لغات فيه
قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين 76 أي من أن أعد في عدادهم والجهل كما قال الراغبله معان عدم العلم وإعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه وفعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء أعتقد فيه إعتقادا صحيحا أو فاسدا وهذا الأخير هو المراد هنا وقد نفاه عليه السلام عن نفسه قصدا إلى نفي ملزومه الذي رمى به وهو الإستهزاء على طريق الكناية وأخرج ذلك في صورة الإستعارة إستفظاعا له إذالهزء في مقام الإرشاد كاد يكون كفرا وما يجري مجراه ووقوعه في مقام الإحتقار والتهكم مثل فبشرهم بعذاب أليم سائغ شائع وفرق بين المقامين وذكر بعضهم أن الإستعاذة بالله تعالى من ذلك من باب الأدب والتواضع معه سبحانه كما في قوله تعالى : وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين لأن الأنبياء معصومون عن مثل ذلك والأول أولى وهو المعروف من إيراد الإستاذة في أثناء الكلام والفرق بين الهزء والمزج ظاهر فلا ينافي وقوعه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحيانا كما لا يخفى
قالوا أدع لنا ربك يبين لنا ما هي أي سل لأجلنا ربك الذي عودك ما عودك يظهر لنا ما حالها وصفتها فالسؤال في الحقيقة عن الصفة لأن الماهية ومسمى الأسم معلومان ولا ثالث لهما لتستعمل ما فيه أما إذا أريد بقرة معينة فظاهر لأنه إستفسار لبيان المجمل وإلا فلمكان التعجب وتوهم أن مثل هذه البقرة لا تكون إلا معينة والجواب على الأول بيان وعلى الثاني نسخ وتشديد وهكذا الحال فيما سيأتي من السؤال والجواب وكان مقتضى الظاهر على الأول أي لأنها للسؤال عن المميز وصفا كان أو ذاتيا
وعلى الثاني كيف لأنها موضوعة للسؤال عن الحال و ما وإن سئل بها عن الوصف لكنه على سبيل الندور وهو إما مجاز أو إشتراككما صرح به في المفتاح والغالب السؤال بها عن الجنس فإن أجريت هنا على الإستعمال الغالب نزل مجهول الصفة لكونه على صفة لم يوجد عليها جنسه وهو إحياء الميت بضرب بعضه منزلة مجهول الحقيقة فيكون سؤالا عن الجنس تنزيلا وعن الصفة حقيقة وإن أجريت على النادر لم يحتج إلى التنزيل المذكور والقول إنه يمكن أن يجعل ما هي على حذف مضاف أي ما حالها فيكون سؤالا عن نوع حال تفرع عليه هذه الخاصية على بعده خال عن اللطافة اللائقة بشأن الكتاب العزيز و ما إستفهامية خبر مقدم ل هي والجملة في موضع نصب ب يبين لأنه معلق عنها وجاز فيه ذلك لشبهه بأفعال القلوب والمعنى يبين لنا جواب هذا السؤال قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر الفارض أسم للمسنة التي أنقطعت ولادتها من الكبر والفعل فرضت بفتح الراء وضمها ويقال لكل ما قدم