كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
وطال أمره فارض ومنه قوله : يارب ذي ضغن على فارض له قروء كقروء الحائض وكأن المسنة سميت فارضا لأنها فرضت سنه أي قطعتها وبلغت آخرها والبكرأسم للصغيرة وزاد بعضهم التي لم تلد من الصغر وقال إبن قتيبة : هي التي ولدت ولدا واحدا والبكر من النساء التي لم يمسها الرجال وقيل : هي التي لم تحمل والبكر من الأولاد الأول ومن الحاجات الأولى والبكر بفتح الباء الفتى من الإبل والأنثى بكرة وأصله من التقدم في الزمان ومنها لبكرة والباكورة والأسمان صفة بقرة ولم يؤت بالتاءلأنهما أسمان لما ذكر وأعترضت لا بين الصفة والموصوف وكررت لوجوب تكريرها مع الخبر والنعت والحال إلا في الضرورة خلافا للمبرد وإبن كيسان كقوله : قهرت العدا لا مستعينا بعصبة ولكن بأنواع الخدايع والمكر ومن جعل ذلك من الوصف بالجمل فقدر مبتدأ أي لاهي فارض ولا بكر فقد أبعد إذ الأصل الوصف بالمفرد والأصل أيضا أن لا حذف وذكر يقول للإشارة إلى أنه من عند الله تعالى لا من عند نفسه
عوان بين ذلك أي متوسطة السن وقيل : هي التي ولدت بطنا أو بطنين وقيل : مرة بعد مرة ويجمع على فعل كقوله : طوال مثل أعناق الهوادي نواعم بين أبكار وعون ويجوز ضم عين الكلمة في الشعر وفائدة هذا بعد لا فارض ولا بكر نفى أن تكون عجلا أو جنينا وأراد من ذلك ما ذكر من الوصفين السابقين وبهذا صح الأفراد وإضافة بين إليه فإنه لا يضاف إلا إلى متعدد وكون الكلام مما حذف منه المعطوف لدلالة المعنى عليه والتقدير عوان بين ذلك وهذا أي الفارض والبكر فيكون نظير قوله : فما كان بين الخير لو جاء سالما أبو حجر إلا ليال قلائل حيث أراد بين الخير وباعثه تكلف مستغنى عنه بما ذكر وأختار السجاوندي أن المراد في وسط زمان الصلاح للعوان وإعتداله تقول : سافرت إلى الروم وطفت بين ذلك فالمشار إليه عوان وأرتضاه بعض المحققين مدعيا أنه أولى لئلا يفوت معنى بين ذلك لأن أهل اللغة قالوا : بقرة عوان لا فارض ولا بكر وعلى الشائع ربما يحتاج الأمر إلى تجريد كما لا يخفى ثم إن عود الضمائر المذكورة في السؤال والجواب وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على أن المراد بها معينة لأن الأول يدل على أن الكلام في البقرة المأمور بذبحها والثاني يفيد أن المقصد تعيينها وإزالة إبهامها بتلك الصفات كما هو شأن الصفة لا أنها تكاليف متغايرة بخلاف ما إذا ذكر تلك الصفات بدون الإجراء وقيل : إنها لا فارض ولا بكر فإنه يحتمل أن يكون المقصود منه تبديل الحكم السابق والقول : بأنهم لما تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا ظنوها معينة خارجة عما عليه الجنس فسألوا عن حالها وصفتها فوقعت الضمائر لمعينة بإعتقادهم فعينت تشديدا عليهم وإن لم يكن المراد منها أول الأمر معينةليس بشيء لأنه حينئذ لم تكن الضمائر عائدة إلى ما أمروا بذبحها بل ما أعتقدوها والظاهر خلافه واللازم على هذا تأخير البيان عن وقت الخطاب وليس بممتنع والممتنع تأخيره عن وقت الحاجة إلا عند من يجوز