كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

شديدة السواد ولا يخفى أنه خلاف الظاهر لأن الصفرة وإن أستعملها العرب بهذا المعنى نادرا كماأطلقوا الأسود على الأخضر لكنه في الإبل خاصة على ما قيل في قوله تعالى : جمالة صفر لأن سواد الإبل تشويه صفرة وتأكيده بالفقوع ينافيه لأنه من وصف الصفرة في المشهور نعم ذكر في اللمع أنه يقال : أصفر فاقع وأحمر فاقع ويقال : في الألوان كلها فاقع وناصع إذا أخلصت فعلية لا يرد ما ذكر ومن الناس من قال : إن الصفرة أستعيرت هنا للسواد وكذا فاقع لشديد السواد وهو ترشيح ويجعل سواده من جهة البريق واللمعان وليس بشيء وجوز بعضهم أن يكون لونها مبتدأ وخبره إما فاقع أو الجملة بعده والتأنيث على أحد معنيين أحدهما لكونه أضيف إلى مؤنث كما قالوا : ذهبت بعض أصابعه والثاني أنه يراد به المؤنث إذ هو الصفرة فكأنه قال : صفرتها تسر الناظرين ولا يخفى بعد ذلك والسرورأصله لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه أو رؤية أمر معجب رايق وأما نفسه فإنشراح مستبطن فيهوبين السرور والحبور والفرحتقارب لكن السرور هو الخالص المنكتم سمى بذلك إعتبارا بالإسرار والحبور ما يرى حبرهأي أثرهفي ظاهر البشرة وهما يستعملان في المحمود وأما الفرح فما يحصل بطرا وأشرا ولذلك كثيرا ما يذم كما قال تعالى : إن الله لا يحب الفرحين والمراد به هنا عند بعض الإعجاب مجازا للزومه له غالبا والجملة صفة البقرة أي تعجب الناظرين إليها وجمهور المفسرين يشيرون إلى أن الصفرة من الألوان السارة ولهذا كان علي كرم الله تعالى وجهه يرغب في النعال الصفر ويقول من لبس نعلا أصفر قل همه ونهى إبن الزبير ويحيى بن أبي كثير عن لباس النعال السود لأنها تغم وقريء يسر بالياء فيحتمل أن يكون لونها مبتدأ ويسر خبره ويكون فاقع صفة تابعة لصفراء على حد قوله : وإني لأسقي الشرب صفراء فاقعا كأن ذكي المسك فيها يفتق إلا أنه قليل حتى قيل : بابه الشعر ويحتمل أن يكون لونها فاعلا ب فاقع ويسرإخبا مستأنف
قالوا أدع لنا ربك يبين لنا ما هي إعادة للسؤال عن الحال والصفة لالرد الجواب الأول بأنه غير مطابق وأن السؤال باق على حاله بل لطلب الكشف الزائد على ما حصل وإظهار أنه لم يحصل البيان التام
إن البقرة تشابه علينا تعليل لقوله تعالى : أدع كما في قوله تعالى : صل عليهم إن صلاتك سكن لهم وهو إعتذار لتكرير السؤال أي إن البقر الموصوف بما ذكر كثير فأشتبه علينا والتشابه مشهور في البقر وفي الحديث فتن كوجوه البقر أي يشبه بعضها بعضا وقرأ يحيى وعكرمة والباقر ان الباقروهو أسم لجماعة البقر والبقر أسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء ومثله يجوز تذكيره وتأنيثه كنخل منقعر والنخل باسقات وجمعه أباقر ويقال فيه : بيقور وجمعه باقر وفي البحر إنما سمى هذا الحيوان بذلك لأنه يبقر الأرض أي يشقها للحرث وقرأ الحسن تشابه بضم الهاء جعله مضارعا محذوف التاء وماضيه تشابه وفيه ضمير يعود على البقر على أنه مؤنث والأعرج كذلك إلا أنه شدد الشين والأصل تتشابه فأدغم وقريء تشبه بتشديد الشين على صيغة المؤنث من المضارع المعلوم ويشبه بالياء والتشديد على صيغة المضارع المعلوم أيضا وإبن مسعود يشابه بالياء والتشديد جعله مضارعا من تفاعل لكنه أدغم التاء في الشين وقريء مشتبه ومتشبه ويتشابه والأعمش متشابه ومتشابهة وقريء تشابه تبال وفي مصحف أبي بالتشديد وأستشكل بأن التاء لا تدغم إلا في المضارع وليس في زنة الأفعال فعل ماض على تفاعل بتشديد الفاء ووجه بأن أصله

الصفحة 289