كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
على لاحب لا يهتدي بمناره
ففيه نفي للأصل والفرع معا وإنتفاء الملزوم بإنتفاء اللازم قال الحسن : كانت هذه البقرة وحشية ولهذا وصفت بأنها لا تثير الأرض إلخ وذهب قوم إلى أن تثير مثبت لفظا ومعنى وأنه أثبت للبقرة أنها تثير الأرض وتحرثها ونفى عنها سقي الحرث ورد بأن ما كان يحرث لا ينتفي عنه كونه ذلولا وقال بعض : المراد إنها تثير الأرض بغير الحرث بطرا ومرحا ومن عادة البقر إذا بطرت تضرب بقرونها وأظلافها فتثير تراب الأرض فيكون هذا من تمام قوله لا ذلول لأن وصفها بالمرح والبطر دليل على ذلك وليس عندي بالعبيد وذهب بعضهم كما في المواشي إلى أن جملة تثير في محل نصب على الحال قال إبن عطية : ولا يجوز ذلك لأنها من نكرة وأعترض بأنه إن أراد بالنكرة بقرة فقد وصفت والحال من النكرة الموصوفة جائزة جوازا حسنا وإن أراد بها لا ذلول فمذهب سيبويه جواز مجيء الحال من النكرة وإن لم توصف وقد صرح بذلك في مواضع من كتابه اللهم إلا أن يقال : إنه تبع الجمهور في ذلك وهم على المنع وجعل الجملة حالا من الضمير المستكن في ذلول أي لا ذلول في حال إثارتها ليس بشيء وقرأ أبو عبدالرحمن السلمي : لا ذلول بالفتح ف لا للتبرئة والخبر محذوف أي هناك والراد مكان وجدت هي فيهوالجملة صفة ذلول وهو نفي لأن توصف بالذل ويقال : هي ذلول بطريق الكناية لأنه لو كان في مكان البقرة لكانت موصوفة به ضرورة إقتضاء الصفة للموصوف فلما لم يكن في مكانها لم تكن موصوفة به فهذا كقولهم محلف لان مظنة الجود والكرم وهذا أولى مما قيل : إن تثير خبر لا والجملة معترضة بين الصفة والموصوف لأنه أبلغ كما لا يخفى وبعضهم خرج القراءة على البناء نظرا إلى صورة لا كما في كنت بلا مال بالفتح وليس بشيء لأن ذلك مقصور على مورد السماع وليس بقياسي على ما يشعر به كلام الرضى وقريء تسقى بضم حرف المضارعة من أسقى بمعنى سقى وبعض فرق بينهما بأن سقى لنفسه وأسقى لغيره كماشيته وأرضه
مسلمة لاشية فيها أي سلمها الله تعالى من العيوب قاله إبن عباس أو أعفاها أهلها من سائر أنواع الإستعمال قاله الحسن أو مطهرة من الحرام لا غصب فيها ولا سرقة قاله عطاء أو أخلص لونها من الشيات قاله مجاهد والأولى ما ذهب إليه إبن عباس رضي الله تعالى عنهما لأن المطلق ينصرف إلى الكامل ولكونه تأسيسا وعلى آخر الأقوال يكون لاشية فيهأ 9 أي لا لون فيها يخالف لونها تأكيدا والتضعيف هنا للنقل والتعدية ووهم غير واحد فزعم أنه للمبالغة والشية مصدر وشيت الثوب أشيه وشيا إذا زينته بخطوط مختلفة الألوان فحذف فاؤهكعدة وزر ومنه الواشي للنمام قيل : ولا يقال له : واش حتى يغير كلامه ويزينه ويقال : ثور أشيه وفرس أبلق وكبش أخرج وتيس أبرق وغراب أبقع كل ذلك بمعنى البلقة وفي البحر ليس الأشيه في قولهم : ثور أشيه للذي فيه بلق مأخوذا من الشيه لإختلاف المادتين وشيةأسم لا و فيها خبره
قالوا الآن جئت بالحق أي أظهرت حقيقة ما أمرنا به فالحق هنا بمعنى الحقيقة وقيل : بمعنى الأمر المقضى أو اللازم وقيل : بمعنى القول المطابق للواقع ولم يريدوا أن ما سبق لم يكن حقا بل أرادوا أنه لم يظهر الحق به كمال الظهور فلم يجيء بالحق بل أومأ إليه فعلى هذه الأقوال لم يكفروا بهذا القول وأجراه قتادة على ظاهره وجعله متضمنا أن ما جئت به من قبلكان باطلا فقال : إنهم كفروا بهذا القول والأولى عدم الإكفار و الآن