كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

أنه قد يقول القائل لم يكد زيد يفعل ومراده أنه فعل بعسر لا بسهولة وهو خلاف الظاهر الذي وضع له اللفظ فأفهم وإذ قتلتم نفسا أي شخصا أو إذا نفس ونسبة القتل إلى المخاطبين لوجوده فيهم على طريقة العرب في نسبة الأشياء إلى القبيلة إذا وجد من بعضها ما يذم به أو يمدح وقول بعضهم : إنه لا يسحن إسناد فعل أو قول صدر عن البعض إلى الكل إذ إذا صدر عنه بمظاهرتهم أو رضا منه مغير مسلم نعم لابد لإسناده إلى الكل من نكتة ما ولعلها هنا الإشارة إلى أن الكل بحيث لا يبعد صدور القتل منهم لمزيد حرصهم وكثرة طمعهم وعظم جرأتهم فهم كأصابع الكفين طبعا وكل منهم طمع جسور وقيل : إن القاتل جمع وهم ورثة المقتول وقد روى أنهم أجتمعوا على قتله ولهذا نسب القتل إلى الجمع فأدرأتم فيها أصله تدارأتم من الدرء وهو الدفع فأجتمعت التاء والدال مع تقارب مخرجيهما وأريد الإدغام فقلبت التاء دالا وسكنت للإدغام فأجتلبت همزة الوصل للتوصل إلى الإبتداء بها وهذا مطرد في كل فعل على تفاعل أو تفعل فاؤهتاء أو طاء أو ظاء أؤ صاد أو ضاد والتدارؤ هنا إما مجاز عن الإختلاف والإختصام أو كناية عنه إذ المتخاصمان يدفع كل منهما الآخر أو مستعمل في حقيقته أعني التدافع بأن طرح قتلها كل عن نفسه إلى صاحبه فكل منهما من حيث أنه مطروح عليه يدفع الآخر من حيث إنه طارح وقيل : إن طرح القتل في نفسه نفس دفع الصاحب وكل من الطارحين دافع فتطارحه ما تدافع وقيل : إن كلا منهما يدفع الآخر عن البراءة إلى التهمة فإذا قال أحدهما : أنا بريء وأنت متهم يقول الآخر : بل أنت المتهم وأنا البريء ولا يخفى أن ما ذكر على ما فيه بالمجاز أليق ولهذا عد ذلك أبو حيان من المجاز والضمير في فيها عائد على النفس وقيل : على القتلة المفهومة من الفعل وقيل : على التهمة الدال عليها معنى الكلام وقرأ أبو حيوة فتدار أتم على الأصل وقيل : قرأ هو وأبو السوار فادرأتم بغير ألف قبل الراء وإن طائفة أخرى قرؤا فتدار أتم والله مخرج ما كنتم تكتمون 27 أي مظهر لا محالة ما كنتم تكتمونه من أمر القتيل والقاتل كما يشير إليه بناء الجملة الأسمية وبناء أسم الفاعل على المبتدأ المفيد لتأكيد الحكم وتقويه وذلك بطريق التفضل عندنا والوجوب عند المعتزلة وتقدير المتعلق خاصا هو ما عليه الجمهور وقيل : يجوز ان يكون عاما في القتيل وغيره ويكون القتيل من جملة أفرادهوفيه نظر إذ ليس كل ما كتموه عن الناس أظهره الله تعالى وأعمل مخرج لأنه مستقبل بالنسبة للحكم الذي قبله وهو التدارؤومضيه الآنلا يضر والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الإستمرار وفي البحرإن كان للدلالة على تقدم الكتمان
فقلنا أضربوه ببعضها عطف على قوله تعالى : فادرارأتم وما بينهما إعتراض يفيد أن كتمان القاتل لا ينفعه وقيل : حال أي والحال أنكم تعلمون ذلك والهاء في أضربوه عائد على النفس بناى على تذكيرها إذ فيها التأنيثوهو الأشهروالتذكير أو على تأويل الشخص أو القتيل أو على أن الكلام على حذف مضاف أي ذا نفس وبعد الحذف أقيم المضاف إليه مقامه وقيل : الأظهر أن التذكير لتذكير المعنى وإذا كان اللفظ مذكرا والمعنى مؤنثا أو بالعكس فوجهان وذكر هذا الضميرمع سبق التأنيث تفننا أو تمييزا بين هذا الضمير والضمير الذي بعده توضيحا والظاهر أن المراد بالبعض أي بعض كان إذ لا فائدة في تعينه

الصفحة 293