كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

ولم يرد به نقل صحيح واختلف بم ضربوه فقيل : بلسانها أو بأصغريها أو بفخذها اليمنى أو بذنبها أو بالغضروف أو بالعظم الذي يليه أو بالبضعة التي بين الكتفين أو بالعجب أو بعظم من عظامها ونقل أن الضرب كان على جيد القتيل وذلك قبل دفنه ومن قال : إنهم مكثوا في تطلبها أربعين سنة أو أنهم بطلبها ولم تكن في صلب ولا رحم قال : إن الضرب على القبر بعد الدفن والأظهر أنه المباشر بالضرب لا القبر وفي بعض الآثار أنه قام وأوداجه تشخب دما فقال : قتلني إبن أخي وفي رواية فلان وفلان لا بني عمه ثم سقط ميتا فأخذا وقتلا وما ورث قاتل بعد ذلك وفي بعض القصص أن القاتل حلف بالله تعالى ما قتلته فكذب بالحق بعد معاينته قال الماوردي : وإنما كان الضرب بميت لا حياة فيه لئلا يلتبس على ذي شبهة أن الحيالاة إنما إنقلبت إليه مما ضرب به فلإزالة الشبهة وتأكد الحجة كان ذلك كذلك يحي الله الموتى جملة إعتراضية تفيد تحق المشبه وتيقنه بتشبيه الموعود بالموجود والمماثلة في مطلق الأحياء وفي الكلام حذف دلت عليه الجملة أي فضربوه فحيي والتكلم من الله تعالى مع من حضر وقت الحياةوالكاف خطاب لكل من يصح أن يخاطب ويسمع هذا الكلام لأن أمر الأحياء عظيم يقتضي الإعتناء بشأنه أن يخاطب به كل من يصح منه الإستماع فيدخل فيه أولئك دخولا أوليا ويدل على ذلك قوله تعالى : ويريكم إلخ ولا بد على هذا من تقدير القول أي قلنا أو وقلنا لهم كذلك ليرتبط الكلام بما قبله وقيل : حرف الخطاب مصروف إليهم وكان الظاهر كذلكم على وفق ما بعده إلا أنه أفرده بإرادة كل واحد أو بتأويل فريق ونحوه قصدا للتخفيف ويحتمل أن يكون التكلم مع من حضر نزول الآية وعليه لا تقدير إذ ينتظم بدونه بل ربما يخرج معه من الإنتظام وأبعد الماوردي فجعله خطابا من موسى نفسه عليه السلام ويريكم آياته مستأنف أو معطوف على ما قبله والظاهر أن الآيات جمع في اللفظ والمعنى والمراد بها الدلائل الدالة على أن الله تعالى على كل شيء قدير ويجوز أن يراد بها هذا الإحياء والتعبير عنه بالجمع لإشتماله على أمور بديعة من ترتب الحياة على الضرب بعضو ميت وإخبار الميت بقاتله وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادات وفي المنتخب أن التعبير عن الآية الواحدة بالآيات لأنها تدل على وجود الصانع القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات المختار في الإيجاد والإبداع وعلى صدق موسى عليه السلام وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلا وعلى تعين تلك التهمة على من باشر القتل لعلكم تعقلون 37 أي لكي تعقلوا الحياة بعد الموت والبعث والحشر فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الإختصاص ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة أو لكي يكمل عقلكم أو لعلكم تمتنعون من عصيانه وتعملون على قضية عقولكم وقد ذكر المفسرون أحكاما فقهية إنتزعوها وأستدلوا عليها من قصة هذا القتيل ولا يظهر ذلك من الآية ولا أرى لذكر ذلك طائلا سوى الطول هذا
ومن باب الإشارة إن البقرة هي النفس الحيوانية حين زال عنها شره الصبا ولم يلحقها ضعف الكبر وكانت معجبة رائقة النظر لا تثير أرض الإستعداد بالأعمال الصالحة ولا تسقي حرث المعارف والحكم التي فيها بالقوة بمياه التوجه إلى حضرة القدس والسير إلى رياض الأنس وقد سلمت لترعى أزهار الشهوات ولم تقيد بقيود الآداب والطاعات فلم يرسخ فيها مذهب وإعتقاد ولم يظهر عليها ما أودع فيها من أنوار الإستعداد وذبحها قمع هواها ومنعها عن

الصفحة 294