كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
أفعالها الخاصة بها بشفرة سكين الرياضة فمن أراد أن يحيا قلبه حياة طيبة ويتحلى بالمعارف الألهية والعلوم الحقيقية وينكشف له حال الملك والملكوت وتظهر له أسرار الأهوت والجبروت ويرتفع ما بين عقله ووهمه من التدارؤ والنزاع الحاصل بسبب الألف للمحسوسات فليذبحها وليوصل أثره إلى قلبه الميت فهناك يخرج المكتوم وتفيض بحار العلوم وهذا الذبح هو الجهاد الأكبر والموت الأحمر وعقباه الحياة الحقيقية والسعادة الأبدية ومن لم يمت في حبه لم يعش به ودون إجتناء النحل ما جنت النحل وقد أشير بالشيخ والعجوز والطفل والشاب المقتول على ما في بعض الآثار في هذه القصة إلى الروح والطبيعة الجسمانية والعقل والقلب وتطبيق سائر ما في القصة بعد هذا إليك هذا وسلام الله تعالى عليك
ثم قست قلوبكم القسوة في الأصل اليبس والصلابة وقد شبهت هنا حال قلوبهم وهي نبوها عن الإعتبار بحال قسوة الحجارة في أنها لايجري فيها لطف العمل ففي قست إستعارة تبعية أو تمثيلية و ثم لإستبعاد القسوة بعد مشاهدة ما يزيلها وقيل : إنها للتراخي في الزمان لأنهم قست قلوبهم بعد مدة حين قالوا إن الميت كذب عليهم أو أنه عبارة عن قسوة عقبهم والضمير في قلوبكم لورثة القتيل عند إبن عباس رضي الله تعالى عنهما وعند أبي العالية وغيره لبني إسرائيل من بعد ذلك أي إحياء القتيل وقيل : كلامه وقيل : ما سبق من الآيات التي علموها كمسخهم قردة وخنازير ورفع الجبل وإنبجاس الماء والأحياءوإلى ذلك ذهب الزجاج وعليه تكون ثم قست إلخ عطفا على مضمون جميع القصص السابقة والآيات المذكورة وعلى سابقه تكون عطفا على قصة وإذ قتلتم فهي كالحجارة أي في القسوة وعدم التأثر والجمع لجمع القلوب وللأشارة إلى أنها متفاوتة في القسوة كما أن الحجارة متفاوتة في الصلابة والكاف للتشبيه وهي حرف عند سيبويه وجمهور النحويين والأخفش يدعى أسميتها وهي متعلقة هنا بمحذوف أي كائنة كالحجارة خلافا لإبن عصفور إذ زعم أن كاف التشبيه لا تتعلق بشيء أتو أشد قسوة أي من الحجارة فهي كالحديد مثلا أو كشيء لا يتأثر أصلا ولو وهما و أو لتخيير المبالغ ويكون في التشبيه كما يكون بعد الأمر أو للتنويع أي بعض كالحجارة وبعض أشد أو للترديد بمعنى تجويز الأمرين مع قطع النظر عن الغير على ما قيل أو بمعنى بل ويحتاج إلى تقدير مبتدأ إذا قلنا بإختصاص ذلك بالجمل أو بمعنى الواو أو للشك وهو لإستحالته عليه تعالى يصرف إلى الغير والعلامة لا يرتضى ذلك لما أنه يؤدي إلى تجويز أن يكون معاني الحروف بالقياس إلى السامع وفيه إخراج للإلفاظ عن أوضاعها فإنها إنما وضعت ليعبر بها المتكلم عما في ضميره والحق جواز إعتبار السامع في معاني الألفاظ عند إمتناع جريها على الأصل بالنظر إلى المتكلم فلا بأس بأن يسلك ب أو في الشك مسلك لعل في الترجي الواقع في كلامه تعالى فتلك جادة مسلوكة لأهل السنة وقد مرت الإشارة إلى ذلك فتذكر و أشد عطف على كالحجارة من قبيل عطف المفرد على المفرد كما تقول : زيد على سفر أو مقيم وقدر بعضهم أو هي أشد فيصير من عطف الجمل ومن الناس من يقدر مضافا محذوفا أي مثل ما هو أشد ويجعله معطوفا على الكاف إن كان إسما أو مجموع الجار والمجرور إذا كان حرفا ثم لما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه فأعرب بإعرابه ولا يخفى أن إعتبار التشبيه في جانب المعطوف بدون عطفه على المجرور بالكاف مستبعد جدا وقرأ الأعمش أو أشد مجرورا بالفتحة لكونه غير منصرف