كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

للوصف ووزن الفعل وهو عطف على الحجارة وإعتبار التشبيه حينئذ ظاهر وإنما لم يقل سبحانه وتعالىأقسىمع أن فعل القسوة مما يصاغ منه أفعل وهو أخصر ووارد في الفصيح كقوله : كل خمصانة أرق من الخمر
بقلب أقسى
من الجلمود لما في أشد من المبالغة لأنه يدل على الزيادة بجوهره وهيئته بخلاف أقسى فإن دلالته بالهيئة فقط وفيه دلالة على إشتداد القسوتين ولو كان أقسى لكان دالا على إشتراك القلوب والحجارة في القسوة وإشتمال القلوب على زيادة القسوة لا في شدة القسوة وليس هذا مثل قولك زيد أشد إكراما من عمرو حيث ذكروا أن ليس معناه إلا أنهما مشتركان في الإكرام وإكرام زيد زيد على إكرام عمرو لا أنهما مشتركان في شدة الإكرام وشدة إكرام زيد زائدة على شدة إكرام عمرو للفرق بين ما بني للتوصل وما بني لغيره وما نحن فيه من الثاني وإن كان الأول أكثر والإعتراضبأن أشد محمول على القلوب دون القسوةليس بشيء لآنه محمول عليها بحسب المعنى لكونها تمييزا محولا عن الفاعل أو منقولا عن المبتدأ كما في البحر ويمكن أن يقال : إن الله تعالى أبرز القساوة في معرض العيوب الظاهرة تنبيها على أنها من العيوب بل العيب كل العيب ما صد عن عالم الغيب إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله تذييل لبيان تفضيل قلوبهم على الحجارة أو إعتراض بين قوله تعالى : ثم قست قلوبكم وبين الحال عنها وهو وما الله بغافل لبيان سبب ذلك فإنه لغرابته يحتاج إلى بيان السبب كما في قوله : فلا هجرة يبدو وفي اليأس راحة ولا وصفه يصفو لنا فنكارمه وجعله جملة حالية مشعرة بالتعليل ياباه الذوق إذ لا معنى للتقييد وكونه بيانا وتقريرا من جهة المعنى لما تقدممع كونه بحسب اللفظ معطوفا على جملةهي كالحجارة أو أشدكما قاله العلامةمما لا يظهر وجهه لأنه إذا كان بيانا في المعنى كيف يصح عطفه ويترك جعله بيانا والمعنى إن الحجارة تتأثر وتنفعل وقلوب هؤلاء لا تتأثر ولا تنفعل عن أمر الله تعالى أصلا وقد ترقى سبحانه في بيان التفضيل كأنه بين أو لا تفضيل قلوبهم في القساوة على الحجارة التي تتأثر تأثرا يترتب عليه منفعة عظيمة من تفجر الأنهار ثم على الحجارة التي تتأثر تأثرا ضعيفا يترتب عليه منفعة قليلة من خروج الماء ثم على الحجارة التي تتأثر من غير منفعة فكأنه قال سبحانه : قلوب هؤلاء أشد قسوة من الحجارة لأنها لا تتأثربحيث يترتب عليه المنفعة العظيمة بل الحقيرة بل لا تتأثر أصلا وبما ذكر يظهر نكتة ذكر تفجر الأنهار وخروج الماء وترك فائدة الهبوط وذكر غير واحد أن الآية واردة على نهج التتميم دون الترقيكالرحمن الرحيم إذ لو أريد الترقي لقيلوإن منها لنا يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يتفجر منه الأنهاروفائدته إستيعاب جميع الإنفعالات التي على خلاف طبيعة هذا الجوهر وهو أبلغ من الترقي ويكون وإن منها الأخير تتميما للتتميم ولا يخفى أنه يرد عليه منع إفادته لإستيعاب جميع الإنفعالات وخلوه عن لطافة ما ذكرناه والفجر التفتح بسعة وكثرة كما يدل عليه جوهر الكلمة وبناء التفعل والمراد من الأنهار الماء الكثير الذي يجري في الأنهار والكلام إما على حذف المضاف أو ذكر المحل وإرادة الحال أو الإسناد مجازي قال بعض المحققين : وحملها على المعنى الحقيقي وهم إذ التفتح لا يمكن إسناده إلى الأنهار اللهم إلا بتضمين معنى الحصول بأن يقال : يتفجر ويحصل منه الأنهار على أن تفجير الحجارة بحيث تصير

الصفحة 296