كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
ما بعده من قوله سبحانه أن يؤمنوا ويسمعون وفريق منهم وقرأ الباقون بالتاء الفوقانية لمناسبة وإذ قتلتم وأدارأتم وتكتمون إلخ وقيل : ضما إلى قوله تعالى : أفتطمعون بأن يكون الخطاب فيه للمؤمنين وعدلهم ويبعده أنه لا وجه لذكر وعد المؤمنين تذييلا لبيان قبائح اليهود أفتطمعون الإستفهام للإستبعاد أو للإنكار التوبيخي والجلمة قيل : معطوفة على قوله تعالى : ثم قست أو على مقدر بين الهمزة والفاء عند غير سيبويه أي تحسبون أن قلوبكم صالحة للإيمان فتطمعون والطمع تعلق النفس بإدراك مطلوب تعلقا قويا وهو أشد من الرجاء لا يحدث إلا عن قوة رغبة وشدة إرادة والخطاب لرسول الله : والمؤمنين 6أو للمؤمنين قاله أبو العالية وقتادة أو للأنصار قاله النقاش والمروى عن إبن عباس ومقاتل أنه لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خاصة والجمع للتعظيم أن يؤمنوا لكم أي يصدقوا مستجيبين لكم فالإيمان بالمعنى اللغوي والتعديةباللام للتضمين كما في قوله تعالى : فامن له لوط لأجل دعوتكم لهم فالفعل منزل منزلة اللازم والمراد بالإيمان المعنى الشرعي واللام لام الأجل وعلى التقديرين أن يؤمنوا معمول ل تطمعون على إسقاط حرف الجر وهو في موضع نصب عند سيبويه وجر عند الخليل والكسائي وضمير الغيبة لليهود المعاصرين له : لأنهم المطموع في إيمانهم وقيل : المراد جنس اليهود ليصح جعل طائفة منهم مطموع الإيمان وطائفة محرفين وفيه ما لا يخفى
وقد كان فريق منهم أي طائفة من أسلافهم وهم الأحبار يسمعون كلام الله ثم يحرفونه
اي يسمعون التوراة ويؤولونها تأويلا فاسدا حسب أغراضهم وإلى ذلك ذهب إبن عباس رضي الله تعالى عنهما والجمهور على أن تحريفها بتبديل كلام من تلقائهم كما فعلوا ذلك في نعته صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه روى أن من صفاته فيها أنه أبيض ربعة فغيروه بأسمر طويل وغيروا آية الرجم بالتسخيم وتسويد الوجهكما في البخاري وقيل : المراد بكلام الله تعالى ما سمعوه على الطور فيكون المراد من الفريق طائفة من أولئك السبعين وقد روى الكلبي أنهم سألوا موسى عليه السلام أن يسمعهم كلامه تعالى فقال لهم : أغتسلوا وألبسوا الثياب النطيفة ففعلوا فأسمعهم الله تعالى كلامه ثم قالوا : سمعنا يقول في آخر : إن أستطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فأفعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا والتحريف على هذا الزيادة
ثم لا يخفى أن فيما أفتروا شاهدا على فساده حيث علقوا الأمر بالإستطاعة والنهي بالمشيئة وهما لا يتقابلان وكأنهم أرادوا بالأمر غير الموجب على معنى أفعلوا إن شئتم وإن شئتم فلا تفعلوا كذا أفاده العلامة ومقصوده بيان منشأ تحريفهم الفاسد فلا ينافي كون عدم التقابل شاهدا على فساده ومقتضى هذه الرواية أن هؤلاء سمعوا كلامه تعالى بلا واسطة كما سمعه موسى عليه السلام والمصحح أنهم لم يسمعوا بغير واسطة وأن ذلك مخصوص به عليه السلام وقيل : المراد به الوحي المنزل على نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم كان جماعة من اليهود يسمعونه فيحرفونه قصدا أن يدخلوا في الدين ما ليس منه ويحصل التضاد في أحكامه ويأبى الله إلا أن يتم نوره وقرأ الأعمش كلم الله
من بعد ما عقلوه أي ضبطوه وفهموه ولم يشتبه عليهم صحته و ما مصدرية أي من بعد عقلهم إياه والضمير في عقلوه عائد على كلام الله وقيل : ما موصولة والضمير عائد عليها وهو بعيد
وهم يعلمون متعلق العلم محذوف أي إنهم مبطلون كاذبون أو ما في تحريفه من العقاب وفي