كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

ذلك كمال مذمتهم وبهذا التقرير يندفع توهم تكرار ما ذكربعد ما عقلوهوحاصل الآية إستبعاد الطمع في أن يقع من هؤلاء السفلة إيمان وقد كان أحبارهم ومقدموهم على هذه الحالة الشنعاء ولا شك أن هؤلاء أسوأ خلقا وأقل تمييزا من أسلافهم أو إستبعادا لطمع في إيمان هؤلاء الكفرة المحرفين وأسلافهم الذين كانوا زمن نبيهم فعلوا ذلك فلهم فيه سابقة وبهذا يندفع ما عسى أن يختلج في الصدر من أنه كيف يلزم من إقدام بعضهم على التحريف حصول اليأس من إيمان باقيهم وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا جملة مستأنفة ليست إثر بيان ما صدر عن أسلافهم لبيان ما صدر عنهم بالذات من الشنائع المؤيسة عن إيمانهم من نفاق بعض وعتاب آخرين عليهم ويحتمل أن تكون معطوفة على وقد كان فريق منهم إلخ وقيل : معطوفة على يسمعون وقيل : على قوله تعالى : وإذ قتلتم نفسا عطف القصة على القصة وضمير لقوا لليهود على طبق أن يؤمنوا لكم وضمير قالوا للاقين لكن لا يتصدى الكل للقول حقيقة بل بمباشرة منافقيهم وسكوت الباقين فهو من إسناد ما للبعض للكلومثله أكثر من أن يحصى وهذا أدخل كما قال مولانا مفتي الديار الرومية في تقبيح حال الساكتين أولا العاتبين ثانيا لما فيه من الدلالة على نفاقهم وإختلاف أحوالهم وتناقض آرائهم من إسناد القول إلى المباشرين خاصة بتقدير المضاف أي قال منافقوهم كما فعله البعضوقيل : الضمير الأول لمنافقي اليهود كالثاني ليتحد فاعل الشرط والجزاء مراعاة لحق النظم ويؤيده ما روى عن إبن عباس والحسن وقتادة في تفسير وإذا لقوا يعني منافقي اليهود المؤمنين الخلص قالوا : إلا أن السباق واللحاقكما رأيت وسترىيبعدان ذلك وقرأ إبن السميقع لاقوا
وإذا خلا بعضهم إلى بعض أي إذا أنفرد بعض المذكورين وهم الساكتون منهم بعد فراغهم عن الإشتغال بالمؤمنين متوجهين منضمين إلى بعض آخر منهم وهم من نافق وهذا كالنص على إشتراك الساكتين في لقاء المؤمنين إذ الخ لو إنما يكون بعد الإشتغال ولأن عتابهم معلق بمحض الخلو ولولا إنهم حاضرون عند المقاولة لوجب أن يجعل سماعهم من تمام الشرط ولأن فيه زيادة تشنيع لهم على ما أوتوا من السكوت ثم العتاب قالوا أي أولئك البعض الخالي موبخين لمنافقيهم على ما صنعوا بحضرتهم
أتحدثونهم بما فتح الله عليكم أي تخبرون المؤمنين بما بينه الله تعالى لكم خاصة من نعت نبيه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أو من أخذ العهود على أنبيائكم بتصديقه صلى الله تعالى عليه وسلم ونصرته والتعبير عنه بالفتح للإيذان بأنه سر مكتوم وباب مغلق وفي الآية إشارة إلى أنهم لم يكتفوا بقولهم : آمنا بل عللوه بما ذكر وإنما لم يصرح به تعويلا على شهادة التوبيخ ومن الناس من جوز كون هذا التوبيخ من جهة المنافقين لأعقابهم وبقاياهم الذين لم ينافقوا وحينئذ يكون البعض الذي هو فاعل خلا عبارة عن المنافقين وفيه وضع المظهر موضع المضمر تكثيرا للمعنى والإستفهام إنكارونهى عن التحديث في الزمان المستقبل وليس بشيء وإن جل قائله اللهم إلا أن يكون فيه رواية صحيحة ودون ذلك خرط القتاد
ليحاجوكم به متعلق بالتحديث دون الفتح خلافا لمن تكلف له والمراد تأكيد النكير وتشديد التوبيخ فإن التحديث وإن كان منكرا في نفسه لكنه لهذا الغرض مما لا يكاد يصدر عن العاقل والمفاعلة هنا غير مرادة والمراد ليحتجوا به عليكم إلا أنه إنما أتى بها للمبالغة وذكر إبن تمجيد أنه لو ذهب أحد

الصفحة 299