كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
كلام اللائمين ومفعوله إما ما ذكر أولا أو لا مفعول لهوهو أبلغوقيل : هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين متصل بقوله تعالى : أفتطمعون والمعنى أفلا تعقلون حال هؤلاء اليهود وأن لا مطمع في إيمانهم وهم على هذه الصفات الذميمة والأخلاق القبيحة ويبعده قوله تعالى : أو لا يعلمون فإنه تجهيل لهم منه تعالى فيما حكى عنهم فيكون توسيط خطاب المؤمنين في أثنائه من قبيل الفصل بين الشجرة ولحائها على أن في تخصيص الخطاب بالمؤمنين تعسفا ما وفي تعميمه للنبي سوء أدبكما لا يخفى والإستفهام فيه للإنكار مع التقريع لأن أهل الكتاب كانوا عالمين بإحاطة علمه تعالى والمقصود بيان شناعة فعلهم بأنهم يفعلون ما ذكر مع علمهم
أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون 77 وفيه إشارة إلى أن الآتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية أعظم وزراوالواوللعطف على مقدر ينساق إليه الذهنوالضمير للموبخينأي أيلؤونهم على التحديث المذكور مخافة المحاجة ولا يعلمون ما ذكر وقيل : الضمير للمنافقين فقط أو لهم وللموبخين أو لآبائهم المحرفين والظاهر حمل ما في الموضعين على العموم ويدخل فيه الكفر الذي أسروه والإيمان الذي أعلنوه وأقتصر بعض المفسرين عليهما وقيل : العداوة والصداقة وقيل : صفته صلى الله تعالى عليه وسلم التي في التوراة المنزلة والصفة التي أظهروها إفتراء على الله تعالى وقدم سبحانه الأسرار على الإعلان إما لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن إذ من شيء يعلن إلا وهو مباديه قبل ذلك مضمر في القلب يتعلق به الاسرار غالبا فتعلق علمه تعالى بحالته الاولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية وإما للإيذان بإفتضاحهم ووقوع ما يحذرونه من أول الأمر وإما للمبالغة في بيان شمول علمه المحيط بجميع الأشياء كان علمه بما يسرون أقدم منه بما يعلنونه مع كونهمافي الحقيقةعلى السوية فإن علمه تعالى ليس بطريق حصول الصورة بل وجود كل شيء في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الأشياء البارزة ولا الكامنة وعكس الأمر في قوله تعالى : أن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله لأن الأصل فيما تتعلق المحاسبة به هو الأمور البادية دون الخافية وقرأ إبن محيصن أو لا تعلمون بالتاءفيحتمل أن يكون ذلك خطابا للمؤمنين أو خطابا لهم ثم إنه تعالى أعرض عن خطابهم وأعاد الضمير إلى الغيبة إهمالا لهم ويكون ذلك من باب الإلتفات
ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب مستأنفة مسوقة لبيان قبائح جهلة اليهود أثر بيان شنائع الطوائف السالفة وقيل : عطف على قد كان فريق منهم وعليه الجمع وقيل : على وإذا لقوا وأختار بعض المتأخرين أنه وهذا الذي عطف عليه إعتراض وقع في البين لبيان أصناف اليهود إستطرادا لأؤلئك المحرفين و الأميون جمعأميوهوكما في المغربمن لا يكتب ولا يقرأ منسوب إلى أمة العرب الذين كانوا لا يكتبون ولا يقرؤن أو إلى الأم بمعنى أنه كما ولدته أمه أو إلى أم القرى لأن أهلها لا يكتبون غالبا والمراد أنهم جهلة و الكتاب التوراة كما يقتضيه سباق النظم وسياقه فاللام فيه إما للعهد أو أنه من الأعلام الغالبة وجعله مصدر كتب كتابا واللام للجنس بعيد وقرأ إبن أبي عبلة أميون بالتخفيف إلا أماني جمع أمنية وأصلها أمنونة أفعولة وهو في الأصل ما يقدره الإنسان في نفسه منمنىإذا قدر ولذلك تطلق على الكذب وعلى ما يتمنى وما يقرأ والمروى عن إبن عباس ومجاهد رضي الله عنهم أنا لأمانيهنا الأكاذيب إلا أكاذيب أخذوها تقليدا من شياطينهم المحرفين وقيل : إلا ما هم عليه من أمانيهم أن الله تعالى يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم